ما ترتيب أوائل المخلوقات المذكورة في الشرع وكيف تعرج الملائكة إلى السماء؟
السؤال
وفقاً لما ذُكر في القرآن فإن الله خلق الماء أول ما خلق ، ثم خلق الأرض على الماء ، ثم خلق الجبال أوتاداً لحفظ توازنها ، ثم خلق السماء سقفاً محفوظاً من غير عمد ، ثم خلق سبعاً طباقاً ، ومعلوم أن الشمس والقمر والنجوم كلها في السماء الدنيا، وكل ذلك سيتغير وينتهي يوم القيامة.
سؤالي هو: كيف نجح جبريل عليه السلام في التنقل بين السماء والأرض عندما كان يبلّغ الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ هل جعل الله له فتحة سرِّيَّة في السماء ينفذ منها ؟ وهل استخدم النبي صلى الله عليه وسلم نفس الفتحة عندما عُرج به إلى السماء؟. أرجو التوضيح.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
– قول الأخ السائل ” وفقاً لما ذُكر في القرآن فإن الله خلق الماء أول ما خَلق “: يحتمل أمرين:
الأمر الأول: أن الماء هو أول مخلوقات الله مطلقاً ، وهذا إن كان هو قصده ففيه ملاحظتان :
الأولى: أنه أحد الأقوال في المسألة ، والجمهور على أنه العرش ، ومن العلماء من قال بأنه القلم ، وننبه إلى خطأ من جعل أيّاً من ذلك هو أول المخلوقات مطلقاً ، بل غاية ما يقال إنه ترتيب لتلك المخلوقات بحسب ما جاء في النصوص .
الثانية: أن هذا القول ليس في القرآن ؛ إذ ليس في القرآن ولا في السنَّة بيان لأول شيء خَلَقَه الله تعالى ، لا الماء ولا غيره من المخلوقات .
وثمة خلاف في أول ما خلق الله من هذا العالَم ، والأقوال المعتبرة في المسألة ثلاثة : القلم ، كما يرجحه ابن جرير الطبري وابن الجوزي ، والعرش ، كما يرجحه ابن تيمية وابن القيم ، ، والماء ، وهو مروي عن ابن مسعود وطائفة من السلف ، ورجحه بدر الدين العيني .
وأما الأقوال غير المعتبرة فكثيرة ، وبعضها من الإسرائيليات ، وأغلبها أقوال لأهل البدع ، كمن زعم أن العقل هو أول مخلوق ، وكمن زعم أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول مخلوق ، حتى صار من يعظِّم مخلوقاً أو شيئاً يجعله أول مخلوق ! .
ثانياً:
والذين قالوا إن القلم هو أول مخلوق قد استدلوا بما رواه عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ ، قَالَ : رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ). رواه الترمذي ( 2155 ) وأبو داود ( 4700 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي”.
لكن قد صح في السنة أحاديث نبوية تبين أن الله تعالى حين خلق القلم وأمره بكتابة مقادير كل شيء إلى يوم القيامة : كان عرشه على الماء ، مما يقتضي أن خلق العرش كان قبل خلق القلم ، ومن هذه الأحاديث:
أ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) رواه مسلم ( 2653 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
فهذا يدل على أنه قدَّر إذ كان عرشه على الماء ، فكان العرش موجوداً مخلوقاً عند التقدير لم يوجد بعده . ” الصفدية ” ( 2 / 82 ) .
ب. وعن عمران بن حصين عن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) . رواه البخاري ( 3019 ) .
( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ) . رواه البخاري ( 6982 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وفي رواية ( ثم كتب في الذِّكر كل شيء ) فهو أيضاً دليل على أن الكتابة في الذكر كانت والعرش على الماء . ” الصفدية ” ( 2 / 82 ) .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
والناس مختلفون في القلم الذي *** كُتِبَ القضاء به من الديَّانِ
هل كان قبل العرش أو هو بعده *** قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه *** عند الكتابة كان ذا أركانِ
فهذا هو الصحيح ، وهو أن القلم مخلوق بعد العرش ، ويكون قوله في الحديث ( فأَوَّلَ ما خَلَقَ الله القلم قال له اكتب ) يعني : حين خَلَقَ الله القلم ، فتكون ( ما ) هنا مصدرية وليست موصولة .
وخلق العرش قبل القلم واضحة فيه النصوص الصحيحة ، لكن لا يعني هذا أنه خلق قبل ” الماء ” ، وغاية ما يمكن أن يقال إنهما خلقا معاً ، أما أن يكون العرش خُلف قبله فلا يظهر .
ومن أدلة الذين قالوا بأن الماء أول المخلوقات:
- عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ ؟ قَالَ : (كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ) . رواه الترمذي ( 3109 ) وابن ماجه ( 182 ) .
– ولفظه عند ابن ماجه – وأحمد ( 26 / 108 ) – ( ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ). والحديث صححه الطبري ، وحسَّنه الترمذي والذهبي وابن تيمية ، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي ” .
قال الترمذي :
قال أحمد بن منيع : قال يزيد بن هارون : العماء : أي : ليس معه شيء .
” سنن الترمذي ” ( 5 / 288 ) وقيل : معنى ” عماء ” : السحاب الأبيض .
تنبيه :
ذكر الحافظ ابن حجر الحديث في ” فتح الباري ” ( 6 / 289 ) – وكذا الحافظ العيني في ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 22 / 413 ) – بلفظ : ( المَاءُ خُلِقَ قَبْلَ العَرْشِ ) ونسباه للإمامين أحمد والترمذي ! ونسبة الحديث للإمامين بذلك اللفظ ليس صواباً ، بل هذا اللفظ ليس موجوداً فيهما ، ولا في غيرهما من كتب السنَّة ، إنما هو كما ذكرناه آنفاً .
* قال الطبري – رحمه الله – وهو يرى أن القلم أول المخلوقات مطلقا وأنه قبل الماء وقبل العرش – :
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب : قول من قال إن الله تبارك وتعالى خلق الماء قبل العرش ؛ لصحة الخبر الذي ذكرتُ قبلُ عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حين سئل أين كان ربنا عز وجل قبل أن يَخْلُق خلقَه قال : ( كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء )، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله خلق عرشه على الماء ، ومحال إذ كان خلَقَه على الماء أن يكون خلَقَه عليه والذي خلقه عليه غير موجود إما قبله أو معه ، فإذا كان ذلك كذلك : فالعرش لا يخلو من أحد أمرين : إما أن يكون خُلق بعد خَلق الله الماء ، وإما أن يكون خُلق هو والماء معاً ، فأما أن يكون خَلْقُه قبل خلق الماء : فذلك غير جائز صحته على ما روي عن أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم . ” تاريخ الطبري ” ( 1 / 32 ) .
* وقد جزم لحافظ ابن حجر بأن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه يدل على أن الماء سابق على العرش فقال:
وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره ، لا الماء ، ولا العرش ، ولا غيرهما ؛ لأن كل ذلك غيرُ الله تعالى ، ويكون قوله ( وكان عرشه على الماء ) معناه : أنه خلق الماء سابقاً ، ثم خلق العرش على الماء .
” فتح الباري ” ( 6 / 289 ) .
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ : ( كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ ) . رواه أحمد ( 13 / 314 ) ، وصححوه ، وقال الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 5 / 29 ) : إسناده صحيح .
- عن أبي هريرة قال : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قَالَ : ( مِنَ الْمَاءِ ) . رواه الترمذي ( 2526 ).
قال الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” : صحيح دون قوله ( مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ) . انتهى.
قلت: ويشهد له ما قبله ، فأقل أحوال اللفظة أن تكون حسنة .
قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – :
وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة لما سأله : ” ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ ” فقال له: ( مِنَ المَاءِ ) : يدل على أن الماء أصل جميع المخلوقات ، ومادتها ، وجميع المخلوقات خُلقت منه .
وقال :
وقد حكى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود وطائفة من السلف : أن أول المخلوقات الماء . ” لطائف المعارف ” ( ص 21 ، 22 ) .
- رواية الإمام السدِّي في ” تفسيره ” بأسانيد متعددة ” أن الله تعالى لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء ” .
قال الإمام ابن خزيمة في ” كتاب التوحيد ” ( 1 / 569 ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، يَعْنِي ابْنَ طَلْحَةَ الْقَنَّادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ وَهُوَ ابْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ) قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ … . ورواه ابن أبى حاتم في ” تفسيره ” ( 1 / 74 ، 75 ) ، والطبري في ” تفسيره ” ( 1 / 435 ، 436 ) .
– وإسناد السدِّي فيه كلام ، والظاهر أنه حسن جيد ، وأما المتون ففيها غرائب ، وهذا منها ، ولعلها مأخوذة من أحاديث بني إسرائيل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
كما أن السّدّي أيضاً يذكر تفسيره عن ابن مسعود ، وعن ابن عباس ، وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وليست تلك ألفاظهم بعينها ، بل نقل هؤلاء شبيه بنقل أهل المغازي والسِّيَر ، وهو مما يُستشهدُ به ويُعتبَرُ به ، وبضم بعضه إلى بعض يصير حجة ، وأما ثبوت شيءٍ بمجرد هذا النقل عن ابن عباس : فهذا لا يكون عند أهل المعرفة بالمنقولات . ” نقض التأسيس ” ( 3 / 41 ) .
وقال ابن كثير – رحمه الله – :
هذا الاسناد يَذكر به ” السُّدِّي ” أشياء كثيرة فيها غرابة ، وكان كثير منها متلقى من الإسرائيليات . ” البداية والنهاية ” ( 1 / 19 ) .
وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعليق مطول على أسانيد السدي ، فانظره في تحقيقه لـ ” تفسير الطبري ” ( 1 / 156 ) .
وقد علق الشيخ أبو إسحاق الحويني في تحقيقه لـ ” تفسير ابن كثير ” على إسناد السدي هذا في ( 1 / 488 – 490 ) ، وقال في آخره : ” وجملة القول : أن إسناد تفسير السدِّي جيِّد حسَن ” . انتهى.
ثالثاً:
وإن كان الأخ السائل قد قصد بقوله السابق – وهو الأمر الثاني المحتمل في كلامه – أن الله تعالى خلق الماء قبل خلق السموات والأرض : فقوله صحيح – كما سبق – ، لكنه ليس منصوصاً عليه في القرآن كما ذَكر ، وقد سبق بيان ذلك ، ويكون ترتيب المذكورات في الخلق : الماء ، العرش ، القلم ، السموات والأرض .
رابعاً:
وأما قول الأخ السائل ” ثم خلق الأرض على الماء ، ثم خلق الجبال أوتاداً لحفظ توازنها ، ثم خلق السماء سقفاً محفوظاً من غير عمد ، ثم خلق سبعاً طباقاً “: فعليه ملاحظات :
الأولى : قوله ” خلق الله الأرض على الماء ” : مما لا دليل عليه من القرآن ، ولا السنَّة ، بل هي أقوال لبعض السلف من الصحابة والتابعين ، وهو كذلك في التوراة والإنجيل وغيرهما .
وتتمة الكلام المنقول عن ابن عباس وابن مسعود بعض الصحابة مما ذكرنا إسناده آنفاً عن السدِّي :
” فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ سَمَاءً ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةَ ثُمَّ فَيَّقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرَاضِينَ فِي يَوْمَيْنِ … ” .
وعلَّق الإمام الطبري رحمه الله على المنقول عنهم فقال :
فقد أنبأ قول هؤلاء الذين ذكرتُ إن الله تعالى أخرج من الماء دخاناً حين أراد أن يخلق السموات والأرض ، فسما عليه ، يعنون بقولهم ” فسما عليه ” : علا على الماء ، وكل شيء كان فوق شيء عالياً عليه : فهو له سماء ، ثم أيبس بعد ذلك الماء فجعله أرضاً واحدة . ” تاريخ الطبري ” ( 1 / 40 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وقد جاءت الآثار المتعددة عن الصحابة والتابعين وغيرهم بأن الله سبحانه لما كان عرشه على الماء : خلقَ السماء من بخار الماء ، وأيبس الأرض ، وهكذا في أول التوراة الإخبار بأن الماء كان موجوداً ، وأن الريح كانت ترف عليه ، وأن الله خلق من ذلك الماء السماء والأرض ، فهذه الأخبار الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنَّة مطابقة لما عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى مما في التوراة ، وكل ذلك يصدِّق بعضُه بعضاً ، ويخبر أن الله خلق هذا العالم – سمواته وأرضه – في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، وأنه كان قبل ذلك مخلوقات ، كالماء ، والعرش ، فليس في أخبار الله تعالى أن السموات والأرض أبدعتا من غير شيء ، ولا أنه لم يكن قبلها شيء من المخلوقات . ” الصفدية ” ( 2 / 82 ، 83 ) .
وقال – رحمه الله – :
لما كان الماء غامراً لتربة الأرض ، وكانت الريح تهب على ذلك الماء : فخلق الله هذه السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، فتلك الأيام التي خلق الله تعالى فيها هذه . ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 598 ) .
وقال القرطبي – رحمه الله – :
وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضاً ، وثار منه دخان فارتفع ، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وكانت إذ خلقها غير مدحوة . ” تفسير القرطبي ” ( 1 / 255 ) .
الثانية : قوله ” ثم خلق الجبال أوتاداً … ثم خلق السماء ” : غير صحيح ؛ إذ كان تسوية السموات وقضاؤهن سبعاً بعد دحو الأرض وإرساء الجبال فيها ، وفي ذلك يقول تعالى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29 .
قال ابن عباس – رضي الله عنه – :
خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ – وَدَحْوُهَا : أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى – ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ ، وَالْجِمَالَ ، وَالآكَامَ ، وَمَا بَيْنَهُمَا : فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ( دَحَاهَا ) وَقَوْلُهُ ( خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) ، فَجُعِلَتْ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتْ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ . رواه البخاري معلَّقاً ، وانظر ” فتح الباري ” ( 8 / 556 ) .
الثالثة : قوله ” ثم خلق السماء سقفاً محفوظاً من غير عمد ، ثم خلق سبعاً طباقاً ” ، صوابه أن يقول : ” ثم سواها سبعاً طباقاً ” ، فهي كلها سبع سموات وليست السبع غير سماء الدنيا ، قال عز وجل : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29 .
خامساً:
وأما عن سؤال الأخ السائل كيف أن جبريل عليه السلام يتنقل بين السماء والأرض لتبليغ الوحي من ربه عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم ، مع وجود الشمس والقمر والنجوم : فهذا يرد في حال كان السؤال عن بشر يريد الصعود إلى السماء وحده بقدراته البشرية ! أما عندما يكون الحديث عن الملائكة المخلوقة من نور ، والمرسلة من رب العالمين ، أو عندما يكون الحديث عن محمد رسول الله الذي أرسل الله إليه ليصعد إلى السماء السابعة مع جبريل عليه السلام : فإن الأمر يختلف ؛ لأننا نتحدث الآن عن ” قدرة الله تعالى ” لا عن ” قدرة البشر ” ، فلا يرد إشكال في صعود ونزول الملائكة إلى السماء ومنها ، ولا يرد إشكال في معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، وليس ثمة فتحة خاصة – أو طريق خاص – للملائكة تصعد إلى السماء منها ، بل إنه في ليلة القدر تتنزل الملائكة وجبريل عليهم السلام من السماء إلى الدنيا حتى إنهم ليغطون بأنوارهم نور الشمس التي تظهر في صبيحتها ، وهي العلامة الوحيدة لمعرفة لية القدر .
قال الآلوسي – رحمه الله – :
ولذا جاء في وصفها أن ( الشمس تطلع صبيحتها وليس لها شعاع ) – رواه مسلم – كما تقدم أي : لعِظَم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلين فيها . ” روح المعاني ” ( 30 / 193 ) .
وقال المناوي – رحمه الله – :
وقيل : معنى ( لا شعاع لها ) : أن الملائكة لكثرة اختلافها في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها : تستر بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس . ” فيض القدير ” ( 5 / 504 ) .
والذي عرفناه من السنَّة الصحيحة هو وسيلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس ، فقد أخبرنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم ، فقال :
( ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ ” الْبُرَاقُ ” فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ ) . رواه مسلم ( 164 ) .
* وأما المعراج فلم يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بتفاصيل وسيلته ، وغاية ما قاله لنا:
( ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ) . رواه البخاري ( 342 ) ومسلم ( 163 ) .
إلا أن اللفظ نفسه – أي : ” المعراج ” – هو اسم آلة ، يعني : السلَّم ، ومن هنا قال طائفة من أهل العلم إن المعراج كان بسلَّم خاص.
وقد جاء في صفاته ما لم نقف على إسناد له ، مثل رواية :
( ثم تقدم قدَّام ذلك إلى موضع فوضع له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة ، وهو المعراج ، حتى عرج جبريلُ والنبي صلى الله عليه و سلم إلى السماء ) . فهذه رواه الواسطي في ” فضائل بيت المقدس ” كما في ” الدر المنثور ” للسيوطي ( 5 / 226 ) من حديث كعب ، ولم يذكر لتلك الرواية إسناد .
وثمة أوصاف أخرى لتلك الآلة تراها في ” فتح الباري ” ( 7 / 208 ) من روايات لم يذكر إسنادها ولم يحكم عليها الحافظ رحمه الله ، وفي جميعها ما يؤكد على أن العروج إلى السماء كان بآلة ، وهي السلَّم .
والله أعلم.


