توجيه كلام ابن تيمية وادّعاء تفريقه للأمة، وطلاق الثلاث، ووحدة الأمة

السؤال

أنا لا أتعصب لأي مجموعة ، أي : أني مسلم وحسب ، أنا لست شافعيا ولا حنفيا ولا مالكيا ولا حنبليا ولا غير ذلك ، أنا لم أكن لأفرط في الاسم الذي منحنيه الله ( أظنه يعني : مسلم ) .  والداي على المذهب الحنفي ، أما أنا فأتبع – في غالب أمري – المذهب الشافعي ، لكني لا أتقيد به تمام التقيد ، لكن فيما يتعلق بالمسائل العادية فأنا أتبع إماما واحداً أو غيره حيث أني أعتقد أن العلماء المعاصرين لا يستطيعون ملاءمة أمانتهم وشخصياتهم؟

العلماء الأفاضل في السعودية والأزهر لا يمكن مقارنتهم حيث أنهم يجلسون في مكاتب مريحة خصصتها لهم الأنظمة الاستبدادية ولا يتجرؤون على إصدار فتاوى تتعارض مع مواقف حكوماتهم ، وكيف يمكن لأي شخص أن يلغي حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الثاني مثلما فعل ابن تيمية في مسألة الطلاق ، ما هو الخطأ في قرار عمر ؟  كيف أقبل أن يكون فهم شيخ الإسلام في القرآن والسنة أوسع من عمر رضي الله عنه ؟  أو أن العلماء المعاصرين يحبون النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من حب عمر رضي الله عنه له عليه السلام ؟ لو جمعت العلماء بمن فيهم الأئمة الأربعة فلن يساووا غبار عمر رضي الله عنه ( مع الاعتذار عن استخدام عبارات ازدراء وقسوة ، لكني لا أكنُّ أي بغض لأي من الأئمة الأربعة ، لكن الأمر يحزنني ويضايقني كثيرا حينما أرى أن هناك العديد من الأمور التي يمكن أن نتجنبها لمصلحة الأمة ، مثل ما إذا كانت سنة عمر الصلاة 20 ركعة في التراويح ، فلماذا نتنازع حول هذه المسألة ؟ لقد صلى التراويح 20 فعلينا أن نمتثل لذلك ، فعلى الأقل يمكن أن نحس بالوحدة حول هذه المسألة ، وإلا فإنه لا يضر إذا صلاها المسلم في جماعة أم لا ، والأمثلة على ذلك كثيرة مما يمكنكم كعلماء أن تحاولوا أن تظهروا الأمة متحدة وليست كيانا متفرقا كما هو الحال الآن ، وذلك نتيجة لعدم القدرة على تقبل الآخر والأنانية .  أرجو أن ترد علي ،  سأعمل على تصحيح رأيي إن كنت مخطئاً ،  أنا أقبل الآراء وأقدرها .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

واضح أن لكَ عاطفة إسلامية جياشة ، وهو أمرٌ تُحمد عليه ، لكن لم نكن نحب لك أن يصدر منك ما لا يُرضى ، فلكَ أن تعظم من تحب من أهل العلم لكن دون انتقاص من الطرف الآخر ، والأئمة عندما يذكرون فضل الصحابة وعظيم منزلتهم لا يريدون تنقيص قدْر من بعدهم ، بل يريدون تنبيه الأمة إلى عظَم منزلة هؤلاء المُختارين لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم .

وإكرام أهل العلم بوظائف تليق بعلمهم ، وتيسير سبل البحث لهم أمرٌ تُشكر الدول التي تقوم عليه ، وليس هذا مقابل الإفتاء للدولة بما تشتهي ، فاللعلماء في المملكة العربية السعودية فتاوى مشهورة معلومة في تحريم البنوك والمعازف والأطباق الفضائية والأفلام والمسلسلات وحلق اللحية وغير ذلك كثير ، وكل ما سبق إما يفعله الحكام بأنفسهم أو أنهم يقرونه في بلدهم ولم نرهم أفتوا بما يوافق أهواءهم ، فالواجب العدل والإنصاف في الحكم على الآخرين وبخاصة إذا كانوا من أهل العلم والفضل .

ثانياً :

وادعاؤك أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد خالف وحده قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسألة الطلاق قولٌ بعيد عن الصواب ، بل لشيخ الإسلام سلف من أئمة التابعين ، ولكن قبل أن نذكر لك من سبق شيخَ الإسلام بقوله نسألك : كيف كان طلاق الثلاث يُحسب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه وأول خلافة عمر رضي الله عنه ؟ إذا لم تردِ الجواب أو أنك لا تعرفه فاسمعه لا من شيخ الإسلام ابن تيمية بل من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، إذ قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ” رواه مسلم ( 1472 ) .

وهل ما قاله عمر بن الخطاب في كون طلاق الثلاث يقع ثلاثاً منسوبٌ للشرع ؟ الجواب : لا ، واسمع للسبب في تتمة كلام ابن عباس السابق ، إذ قال :

” فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم ” .

وأما الذين قالوا بهذا القول فكثير ، ومنهم صحابة أجلاء ، ويكفي أن تعلم أن عامة المحاكم في الدول العربية الإسلامية تذهب إلى هذا القول .

قال الشيخ سيد سابق – رحمه الله – :

وقال الشوكاني: وقد حكى ذلك صاحب ” البحر ” عن أبي موسى ، ورواية عن علي عليه السلام ، وابن عباس ، وطاووس ، وعطاء ، وجابر ، وابن زيد ، والهادي ، والقاسم ، والباقر ، وأحمد بن عيسى ، وعبد الله بن موسى بن عبد الله ، ورواية عن زيد بن علي .

وإليه ذهب جماعة من المتأخرين ، منهم : ابن تيمية ، وابن القيم ، وجماعة من المحققين ، وقد نقله ابن مغيث في كتاب ” الوثائق ” عن محمد بن وضاح ، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ، ومحمد بن عبد السلام ، وغيرهما .

ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عيسى ، كعطاء ، وطاووس ، وعمرو بن دينار ، وحكاه ابن مغيث أيضاً في ذلك الكتاب عن : علي رضي الله عنه ، وابن مسعود ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير .

– وهذا هو المذهب الذي جرى عليه العمل أخيراً في المحاكم .

” فقه السنة ” ( 2 / 282 ) طبعة الرسالة .

ولتعلَم بعدها أن ابن تيمية لم يقل قولاً مبتدعاً ، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما قاله عقوبة لا شرعاً ، وأن الذي يخالف في هذا – الآن – هو الذي يشق عصا المسلمين ويبلبل أفكارهم – على حسب ما ذكرتَ في سؤالك واستفسارك – فاحذر أن تكون منهم .

ثالثاً :

وأما صلاة التراويح في رمضان : فلا يُنكر ما فيها من اختلاف في عدد ركعاتها ، وهي سنة بإجماع المسلمين ، وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم ( 9036 ) عنها ما يريح بالك ويطمئن قلبك نحو مثل هذه المسائل المتبناة عندنا ، ونسأل الله أن يهديك ويصلح بالك ، ولا مزيد عندنا – الآن – نذكره لك أكثر مما ذكرناه في جواب السؤال المحال عليه .

رابعاً :

وفرقة الأمة ليس بتبني مسائل فقهية يخالف بعضهم فيها بعضاً ، بل الفرقة هي في تبني اعتقادٍ يخالف اعتقاد الفرقة الناجية ، وهم أهل السنة والجماعة ، ومن هؤلاء المختلفين المفرقين لوحدة الأمة : الأشعرية والمعتزلة والقدرية ، ولا نقول الجهمية والرافضة فهؤلاء أقرب إلى كونهم أدياناً منهم إلى عدهم من الفرق المنتسبة للإسلام.

فليحرص المسلم على تبني اعتقاد أهل السنة والجماعة ، ولا يتسنى له ذلك إلا بالعلم ، ولا علم إلا ما كان مصدره الكتاب والسنة الصحيحة ، وهكذا تجتمع الأمة ، وليس اجتماعها هو اجتماع على مسائل فقهية قد يُعذر فيها المخالف ، وهو الذي ينبغي الحرص عليه ونشره بين المسلمين ، فلا يوحدهم ويجمعهم إلا التوحيد ، وأما مسائل الفقه فقد يسع فيها الخلاف ، وهكذا كان الحال عند الصحابة فاعتقادهم واحد وترجيحاتهم في مسائل الفقه متباينة ، وإن كان الخلاف فيها – في زمانهم – قليلاً .

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لماذا لا تُحقق مسائل الخلاف ليتبنّى الداعية وجه الصواب فيها سبيلاً إلى جمع كلمة الأمة ؟ .

فأجاب :

مسألة تحقيق مسائل الخلاف مشكلة ؛ لأن كل إنسان يذهب إلى قول يرى أنه مُحقق فيه ، وإذا أردنا أن نجمع العلماء في بلدٍ ما : فإن الظاهر أنه ألا يتفقوا والظاهر لا يتفقوا سيكون هناك خلاف في الرأي ، حتى وإن حققنا : فإنه سيقع الخلاف ، ولكن الواجب على العامة أو الذين لا يستطيعون أن يعرفوا الحق بأنفسهم الواجب عليهم أن يتقوا الله ما استطاعوا ، وألاَّ يكون الدافع لهم بقبول هذا العالم المخالف لهذا العالم الآخر هو الهوى ، بل يكون الدافع هو قصد الهدى ، وعلى هذا فيتبع الإنسان عند اختلاف العلماء من يرى أنه أقرب إلى الصواب لعلمه ودينه وأمانته ، وأما أن نجمع الناس على قول واحد : فالظاهر أنَّ هذا أمرٌ متعذر .

” تعاون الدعاة وأثره في المجتمع ” ( السؤال الثالث عشر ) .

وسئل الشيخ ابن عثيمين –  رحمه الله – :

متى يكون الخلاف في الدين معتبراً ؟ وهل يكون الخلاف في كل مسألة أم له مواضع معينة ؟ نرجو بيان ذلك .

فأجاب – رحمه الله – بقوله :

اعلم أن خلاف علماء الأمة الإسلامية إذا كان صادراً عن اجتهاد : فإنه لا يضرّ من لم يوفق للصواب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ”  –  رواه البخاري ( 7352 ) ومسلم ( 1716 ) – ، ولكن من تبين له الحق وجب عليه اتباعه بكل حال ، والاختلاف الذي يقع بين علماء الأمة الإسلامية لا يجوز أن يكون سبباً لاختلاف القلوب ؛ لأن اختلاف القلوب يحصل فيه مفاسد عظيمة كما قال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال / 46 ] .

والخلاف المعتبر بين العلماء والذي ينقل ويذكر : هو الخلاف الذي له حظّ من النظر ، أما خلاف العامة الذين لا يفهمون ولا يفقهون : فلا عبرة به ، ولهذا يجب على العامي أن يرجع إلى أهل العلم كما قال الله تعالى : { فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [ النحل / 43 ] .

وأما قول السائل : هل يكون الخلاف في كل مسألة ؟ .

فالجواب : أن الخلاف قد يكون في بعض المسائل التي يختلف فيها الاجتهاد أو يكون بعض الناس أعلم من بعض في الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة ، أما المسائل الأصلية فإنها يقل فيها الخلاف .”  العلم ” ( ص 176 السؤال 78 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة