السنّة الحسنة والبدعة، وصلاة التراويح جماعة، ودعاء الختمة. ووجود شخص يثير الشبه.
السؤال
عندما نشرح للأخوة والأصدقاء عن خطر البدعة، يأتي شخص ممن يشجعون البدعة الحسنة ويشوش على النّاس ويسأل الأسئلة التالية وهي على سبيل المثال لا الحصر:
- جمع الناس ليصلوا خلف إمام واحد في صلاة التراويح في الحرمين وفي المساجد الأخرى.
- دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح والتهجد.
- تحديد ليلة السابع والعشرين من رمضان لقراءة القرآن كاملاً في الحرمين.
- قول المؤذن في الحرم: “صلاة القيام أثابكم الله “.
- الدعوى بأنّ صلاة التراويح مقسمة لثلاثة أقسام.
هل هذا من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أو قول أحد الصحابة أو أحد الأئمة الأربعة؟ والكثير من الأشياء كتشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نحن لم نعترض على هذه الأشياء لأنّها تخدم الإسلام، دعنا نقول إنّ كل هذه الأشياء بدعة ولكننّا نعترف بأنّها بدعة حسنة.
هذا دليل واضح أنّ المسلمين العرب أصبحوا على علم تام بفساد معتقد “الوهابية” وعادوا لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كحجر أساس لإيمانهم.
ما هو جوابك على هذا الهجوم على الذين يريدون أن يوضّحوا للناس خطر البدعة والشرك؟.
– قرأت جميع أجوبتك بخصوص البدعة والشرك كما أنني قمت بإرسالهم لأصدقائي.
– أرجو أن تجيب على هذه الأسئلة في أقرب وقت ممكن.
شكرًا لك و السلام عليكم.
الجواب
الحمد لله
هذه المسائل التي يثيرها بعض النّاس هي واضحة – بفضل الله – عند أهل السنَّة والجماعة، وهم يفرقون بينها من حيث توصيفها وأحكامها، وليس عندهم تناقض في فهم النصوص، بل الخلل في الفهم عنهم، وقد رأينا أنْ ننظم الكلام في هذه النقاط:
أولًا:
– عدم وجود أقسام للبدعة من حيث الحسن والسوء، بل كلها سيئة، و التفريق بين البدعة والسنة الحسنة:
* البدعة قسمان: دينية ودنيوية:
– أما الدينية: فتعريفها: ” التعبد لله تعالى بما ليس عليه النّبي صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه الراشدون “.
– والبدعة الدنيوية: لا تعلق لها بالتعبد والتقرب، ولا بالأجر والثواب من حيث ذاتها، مثل وسائل النقل، والأسلحة المختلفة.
وليس في الدين بدعة حسنةٌ أبدًا؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كلّ بدعة ضلالة “، و “كل” من ألفاظ العموم.
والسنّة الحسنة هي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنّة أي: يبدأ العمل بها، أو يعمل بها بعد تركها أو يعلِّمها بعد الجهل بها، أو يفعل شيئا يسنّه يكون وسيلة لأمر متعبَّد به، مثل بناء المدارس وطبع الكتب، أو إنشاء هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمن خلط بينها لم يحسن الفهم للسنَّة، فالبدعة أمر أُدخل في الدين، والسنة الحسنة هي من الدين؛ لذا قال النّبي صلى الله عليه وسلم في الأولى: ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”، وقال في الثانية: ” من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة “.
ثانيًا:
– عدم الاستدلال بأفعال المعاصرين على نقض الأصول الشرعية:
فبعض النّاس يظن أنّ كل ما يفعل من عبادات في الحرمين – بل وفي مساجد المملكة العربية السعودية – هو السنَّة، بل وعند بعضهم أنّ كل حديث يسمعه في ” إذاعة القرآن الكريم ” هو حديث صحيح! وهذا ليس بصواب، فما يفعله أئمة الحرم، هو مثل ما يفعله غيرهم لا بدَّ من عرض أفعالهم على الكتاب والسنَّة ليُحكم عليها لا أن تكون هي بذاتها تشريع لعامّة الناس.
ولأهل العلم ملاحظات وتعقبات على بعض ما يُفعل في الحرمين نحو الخط الذي بمحاذاة الحجر الأسود، ودعاء ختم القرآن، والمخالفات المتعددة في الأدعية في التراويح، وللشيخ بكر أبو زيد ثلاث رسائل في المسائل الثلاثة هذه، وبيان ما فيها من مخالفات شرعية.
وكذا التبليغ خلف الإمام، والأذان الأول يوم الجمعة، وقول المبلغ: ” صلاة القيام أثابكم الله” وغيرها من المسائل المنتقدة.
فينبغي الوقوف على هذا والإحاطة بعلمه، وأنّه ليس كل ما يُفعل في الحرمين هو موافق للسنَّة وعليه إجماع علماء أهل السنة، بل فيه أخذ وردٌّ، وتعقب وإنكار.
ثالثًا :
– صلاة التراويح جماعة ليست بدعة:
فالنّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لمّا اجتمعوا: ” إنّه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلّا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة”، فعلَّل صلى الله عليه وسلم عدمَ الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم، وأنّه لولا خوف الافتراض: لخرج إليهم، فلمّا كان في عهد عمر جمعهم على قارئٍ واحدٍ، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة – وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحدٍ – عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمِّي بدعة لأنّه في اللغة يسمّى بذلك وإن لم يكن بدعة شرعية؛ لأنّ السنّة اقتضت أنّه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض.
فليست صلاة التراويح جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها في جماعة في أول شهر رمضان أكثر من ليلتين، وقال: ” إنّ الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة”، لمّا قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. رواه أهل السنن بإسناد صحيح.
وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أنّ فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة.
وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقراره سنَّة منه صلى الله عليه وسلم.
رابعًا:
– بدعية دعاء الختمة:
– وقد سبَقت الإشارةُ للختمة، ونزيده تفصيلاً هنا:
للعلامة الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله – بحث نفيس ماتع في جزء لطيف سمّاه: ” مرويات دعاء ختم القرآن”، قال في مقدمته: ” وقد عُهد من مدارك الشرع أنّ أمور العباد التعبديّة توقيفية: لا تشرع إلا بنص نصّ الله على حكمه، مُسلَّم الثبوت والدلالة؛ لضمان الاتباع عن الابتداع ودرء الغلط والحدث “.
ثم أطال في نقد مرويات هذا الدعاء وخلَص إلى أنّها كلها ضعيفة، سوى أثر مجاهد “الرحمة تنزل عند ختم القرآن”، وما ذُكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه كان إذا أراد أن يختم جمع أهله ودعا، هذا خارج الصلاة كما هو ظاهر.
ثم نقل الشيخ حفظه الله في ( ص 48 ) عن الإمام مالك أنه سئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو، قال:” ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن وما هو من عمل النّاس”.
ونقل قول ابن رشد شرحًا لكلام الإمام مالك: ” الدعاء حسن، ولكنّه كره ابتداع القيام له عند تمام القرآن، وقيام الرجل مع أصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم واجتماعهم لذلك عند خاتمة القرآن، كنحو ما يفعل بعض الأئمة عندنا من الخطبة على الناس عند الختمة في رمضان والدعاء فيها وتأمين الناس على دعائه، وهي كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف”.
قال الشيخ بكر أبو زيد: ” وهذا صريح من المالكية من أنهم إذا ختموا في الصلاة يدعون خارجها، وكرهوا ما يحف بذلك من المحدثات كالخطبة والقيام … فتأمله “. انتهى.
” ودعاء الختمة في الصلاة من ذلك فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقومون في رمضان ليلا طويلا ويتكئون على العصي من طول القيام فهم في هذه الحالة يختمون القرآن أكثر من مرة ولم ينقل عن أحد منهم دعاء بعد الختمة “. انتهى.
* وختم القرآن في صلاة التراويح لم يرد فيه نص يستحبه، فتواطؤ الأئمة على هذا الفعل أدّى ببعضهم إلى أن يقع في مخالفات كالإثقال على المصلين والقراءة من المصحف.
– سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
هل الأفضل للإمام أن يكمل قراءة القرآن في صلاة التراويح؟.
فأجاب:
الأمر في هذا واسع، ولا أعلم دليلا يدل على أنّ الأفضل أن يكمل القراءة، إلّا أنّ بعض أهل العلم قال: يستحب أن يسمعهم جميع القرآن حتى يحصل للجماعة سماع القرآن كله، ولكنّ هذا ليس بدليل واضح، فالمهم أن يخشع في قراءته ويطمئن ويرتل ويفيد الناس ولو ما ختم، ولو ما قرأ إلا نصف القرآن أو ثلثي القرآن فليس المهم أن يختم وإنما المهم أن ينفع الناس في صلاته وفي خشوعه وفي قراءته حتى يستفيدوا ويطمئنوا، فإنْ تيسر له أن يُكمل القراءة فالحمد لله، وإن لم يتيسر كفاه ما فعل وإن بقي عليه بعض الشيء؛ لأنّ عنايته بالناس وحرصه على خشوعهم وعلى إفادتهم أهم من كونه يختم، فإذا ختم بهم من دون مشقة وأسمعهم القرآن كله فهذا حسن.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 330 ).
خامسًا:
– معنى ” محبة النبي صلى الله عليه وسلم ” وكيف تعرف المحبين له والمبغضين:
ليست محبة النبي صلى الله عليه وسلم دعوى يزعمها الزاعمون، إنّما هي أن تتّبع سنته من قول أو عمل، وأن تكون سنتُه منهجًا لك تتبعه في حياتك كلها، وأن تقدم قوله على كل قول، وتقدم أمره على كل أمر، ثم تتبع عقيدة أصحابه الكرام، ثم عقيدة من تبعهم من التابعين، ثم عقيدة من تبع نهجهم إلى يومنا هذا من أهل السنة و الجماعة.
ولا تغتر بما يدّعيه بعض الناس من محبته صلى الله عليه وسلم ولا تجد على هيئاتهم سيما الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا تجدهم يصلون كصلاته ولا يذكرون كذكره، وأحسنهم حالا من يتذكر نبيه بالنشيد والغناء في ذكرى المولد أو في ذكرى الهجرة والإسراء والمعراج!
ولا أعلم على وجه الأرض من يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ويحبّه مثل السلفيين أهل السنة والجماعة، وأتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب منهم، فانظر إلى هديهم وسمتهم، واقرأ كتبهم، واستمع لحديثهم لترى أنهم أكثر الناس اتباعا لهديه صلى الله عليه وسلم، وأكثر الناس صلاةً عليه وسلامًا، وكيف لا وهم رواة أحاديثه ونقلة سنَّته.
سادسًا:
– من هم ” الوهابية “؟.
قال علماء اللجنة الدائمة:
الوهابيّة لفظة يطلقها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – على دعوته إلى تجريد التوحيد من الشركيات ونبذ جميع الطرق إلا طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومرادهم من ذلك تنفير الناس من دعوته، وصدّهم عمّا دعا إليه، ولكن لم يضرها ذلك، بل زادها انتشارًا في الآفاق وشوَّق إليها ممن وفقهم الله إلى زيادة البحث عن ماهيَّة الدعوة وما ترمي إليه وما تستند عليه من أدلة الكتاب والسنَّة الصحيحة، فاشتدَّ تمسكهم بها وعَضُّوا عليها، وأخذوا يدعون الناس إليها ولله الحمد.
عبد العزيز بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، ” فتاوى اللجنة الدائمة” ( 2 / 174 ).
والله أعلم.


