متى بدأ تذييل اسم الصحابة بـ ” رضي الله عنهم “؟ وتذييل العلماء بـ ” رحمهم الله “؟
السؤال
متى بدأت ممارسة تذييل أسماء الصحابة بالدعاء (رضي الله عنهم)؟ هل فعل ذلك التابعون ؟ وماذا عن تذييل أسماء السلف والعلماء المعاصرين الذين توفوا بـ (رضي الله عنهم)؟ أين بدأ هذا العمل ؟لم أجد أي أدلة على استعماله ؟ فكيف لا يكون هذا العمل بدعة؟ إننا نعلم أننا نذيل اسم رسولنا صلى الله عليه وسلم بـ (صلى الله عليه وسلم) لأنه وجهنا بذلك. ماذا عن الصحابة؟ بالإضافة إلى ذلك أننا نشاهد طلاب العلم يبجلون العلماء المعاصرين بقولهم (يرحم الله فضيلة الشيخ) في كل مرة يخاطبون فيها هؤلاء العلماء، والذين بدورهم يسكتون عن ذلك. بينما في الماضي كان الصحابة لا يتخاطبون فيما بينهم ولا حتى مع الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب. أليس هذا غلواً في الثناء أو بدعة؟ أرجو أن تنورونا عن هذا الموضوع.
الجواب
الحمد لله
- لابد أن يعلم السائل أن هذه الصيغ التي ذكرها منها ما هو دعاء ومنها ما هو خبر ، أو يكون الأمران معا فمثلا :
– الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي خبر ودعاء .
قال الله تبارك وتعالى :{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [ الأحزاب / 56 ] .
فأخبر الله أنه صلى على نبيه وكذلك ملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة عليه – دعاءً -.
- ويصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم تبعاً كما في النص والإجماع ، ودليله الصلاة الإبراهيمية وفيها : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد … .
قال ابن حجر :
فلا نعلم من منع ذلك تبعاً ، وإنما الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالا .
” فتح الباري ” ( 11 / 158 ) .
- وأما استقلالاً : ففيه خلاف فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز ذلك .
وذهب الإمام أحمد إلى جوازه .
والصواب : أنه يجوز وهو من باب الدعاء ، لكن لا يتخذ ذلك شعاراً ، كما فعله الرافضة مع علي رضي الله عنه .
عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل على آل فلان ، فأتاه أبي بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى .
رواه البخاري ( 1427 ) ومسلم ( 1078 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
واستدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء ، وكرهه مالك والجمهور قال ابن التين : وهذا الحديث يعكر عليه . ” فتح الباري ” ( 3 / 362 ) .
قال ابن القيم :
وفصل الخطاب في هذه المسألة :
أن الصلاة على غير النبي إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم :
فإن كان الأول :
فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ، وجائزة مفردة .
وأما الثاني :
فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم : جاز ذلك أيضا فيقال : اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين .
وإن كان شخصا معينا أو طائفة معينة : كره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً لا يخل به ، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه ، ولا سيما إذا جعلها شعاراً له ومنع منها نظيره أو من هو خير منه وهذا كما تفعل الرافضة بعلي رضي الله عنه فإنهم حيث ذكروه قالوا : عليه الصلاة والسلام ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه ، فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعارا لا يخل به فترْكه حينئذ متعين.
وأما إن صلى عليه أحيانا بحيث لا يجعل ذلك شعاراً كما صلي على دافع الزكاة ، وكما قال ابن عمر للميت : صلى الله عليه ، وكما صلى النبي على المرأة وزوجها ، وكما روي عن علي من صلاته على عمر : فهذا لا بأس به .
– وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب .
والله الموفق . ” جلاء الأفهام ” ( ص 481 – 482 ) .
- بالنسبة للفظة ” رضي الله عنهم ” فهي تقال في حق الصحابة فيما هو مشهور من لفظ العلماء وفي إطلاقها على غيرهم خلاف ، وهي خبر ودعاء والدليل على ذلك قوله تعالى :{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}[ التوبة / 100 ]،وقال تعالى:{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }[ الفتح / 18 ] .
فالآيتان السابقتان فهم منها العلماء أنها خبر يراد منها الطلب ، فكأن الله يقول : أنا رضيت عن هؤلاء وأنتم ترضوا عليهم .
وأما غير الصحابة فلا نعلم أنه سبحانه قد رضي عنهم ؛ لأن هذا أمر غيبي ، فليس في المسألة خبر يُجزم به ، فلا نقول لأحد رضي الله عنه غير الصحابة كما ذكر ذلك العلماء ، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى جواز الترضي على غير الصحابة – من باب الدعاء فقط – كما ذكر ذلك النووي في كتابه ” المجموع ” ( 6 / 172 ) .
– انظر : ” معجم المناهي اللفظية ” للشيخ بكر أبو زيد ( ص 284 ) .
- وبالنسبة للفظة ” رحمه الله ” : فهي تقال للصحابة والتابعين وغيرهم من العلماء والصلحاء وهي من باب الدعاء وليس من باب الخبر فالمسلم لما يقول عن أحد من الناس : ” يرحمه الله ” فإنه يقصد بذلك الدعاء ، أي : نسأل الله أن يرحمه ، والدعاء مشروع في ذلك.
قال تعالى :{ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } [ الحشر / 10 ] .
- والترضي عن الصحابة أو الترحم على غيرهم ليس ببدعة من القول بل هذا هدي التابعين وعليه جرى الأمر في كتب السلف والذي يطالع كتب الحديث والأحاديث يعلم صدق هذا الأمر .
والخلاصة :
أن هذا الأمر الذي سأل عنه السائل لا حرج فيه وعليه الدليل من الكتاب والسنة ، وهو من باب الإخبار والدعاء في حق الصحابة ، ومن باب الدعاء في حق غيرهم .
والدعاء في أصله مشروع لكل ميت فكيف بمن بلَّغ لنا هذا الدين ونشر الإسلام وله فضل على من بعده من الناس ؟
فنسأل الله أن يصلي على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وأن يرضى عن الصحابة الكرام الذين بلغوا هذا الدين وأن يرحم علماء المسلمين إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين .
والله أعلم.


