هل صحيح أنه يمكن زواج الإنس من الجن، وقراءة القرآن بالعكس؟

السؤال

لقد سمعت أنه بإمكاني الرجل أن يتزوج من الجنّ، وأنه عندما يتزوج من الجن فإنها تعمل أي شيء يريده منها الرجل – من الإنس – وكذلك يمكن أن يحصلوا على أي شيء يريدونه، ولكنه لا يستطيع أن يُطَلِّق زوجته من الجن.

هل صحيح بأنه إذا ما قرأ شخص القرآن بالعكس – من النهاية إلى البداية – فإن الجن يدخلون فيه؟

شكرًا جزيلًا على وقتك فأنا أعلم أن لديك الكثير من الأسئلة التي تجيب عليها، وأنا أعتقد بأن هذا الموقع جيد ومفيد.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

مسألة التزاوج بين الجن والإنس لها اعتباران:

الاعتبار الأول: إمكان وقوع ذلك.

والاعتبار الثاني: حكم ذلك شرعًا.

  1. أما بالنسبة لإمكان وقوع التزاوج بين الجن والإنس: فقد اختلف العلماء فيه إلى قولين:

القول الأول: إمكان وقوع ذلك.

وهو قول مجاهد والأعمش وقتادة، ورواية عن الحسن، وبه قال جماعة من الحنفية والحنابلة، وهو قول الإمام مالك.

القول الثاني: عدم إمكان وقوع التزاوج والنكاح بين الجن والإنس لاختلاف جنسيهما.

وهو قول إسحاق بن راهويه، ورواية عن الحسن البصري، وبه قال جماعة من الحنابلة، وهو المعتمد من قول الشافعية، وبه قال الماوردي، ومن المعاصرين الشيخ محمد رشيد رضا.

* وقد استدل أهل القول الأول بأدلة، منها:

أ. قوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } [ الرحمن / 56 ].

قال ابن الجوزي:

وفي الآية دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي.

” زاد المسير ” ( 8 / 122 ).

ب. وقوله تعالى: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورَجِلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا } [ الإسراء / 64 ].

ومعنى مشاركة الشيطان للإنسان في الأولاد جماعه معهم إذا لم يُسمِّ الله تعالى.

* وأما القائلون بعدم إمكان التزاوج بين الجن والإنس فلهم أدلة، منها:

  • قوله تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [ الروم / 21 ].

قالوا: والجن خلق من نار، وليس ” من أنفسنا ” ولا يكون السكن والمودة والرحمة بين مخلوق من نار ومخلوق من تراب.

  • وقالوا: لو كان هذا واقعًا لظهر أثر النكاح بين الناس، فلما لم يكن علم أنه غير واقع.

وقد رد أصحاب كل قول على أصحاب القول الآخر.

والراجح والله تعالى أعلم -:

أن الجماع قد يحص بين الجن والإنس، ويستمتع كل منهما بالآخر، أما أن تكون من الجني نطفة في رحم الإنسية، أو يكون فض لغشاء البكارة، فهذا ما لا يمكن أن يكون، ولو كان يمكن وقوعه لادعته كل من حملت بسفاح، أو فض غشاء بكارتها بالحرام. والله أعلم.

  1. أما بالنسبة لحكم التزاوج والنكاح بين الجن والإنس، فقد اختلف العلماء فيه إلى ثلاثة أقوال:

القول الأول: النهي عن ذلك.

والقول الثاني: الكراهة لذلك.

والقول الثالث: الإباحة.

والصواب: المنع والتحريم.

قال ابن نجيم:

وإذا تقرر المنع من نكاح الإنسي الجنية: فالمنع من نكاح الجني الإنسية من باب أولى، ويدل عليه قوله في ” السراجية “: لا تجوز المناكحة، وهو شامل لهما.

” الأشباه والنظائر ” ( ص 328 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وإن قلنا بحل نكاح الجان – وهو ما قاله جماعة من أئمتنا – لكن المعتمد أنه لا يحل نكاحهم.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 105 ). والله أعلم.

ثانيًا:

* قراءة القرآن من النهاية إلى البداية يسمى عند العلماء ” التنكيس ” وهو على أنواع وأحكام:

  1. تنكيس الحروف.
  2. تنكيس الكلمات.
  3. تنكيس الآيات.
  4. تنكيس السور.أما تنكيس الحروف ، فهو تقديم الحروف المتأخرة على المتقدمة في الكلمة الواحدة، فيقرأ – مثلًا – بدلًا من { رب }: ” بر “!

حكمه:

قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:

هذا لا شك في تحريمه، وأن الصلاة تبطل به؛ لأنه أخرج القرآن عن الوجه الذي تكلم الله به، كما أن الغالب أن المعنى يختلف اختلافًا كثيرًا. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 110 ).

  1. أما تنكيس الكلمات، فهو أن يقدم الكلمة اللاحقة على التي قبلها، فيقرأ – مثلًا – بدلًا من { قل هو الله أحد }: ” أحد الله هو قل “!

حكمه:

قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:

فهذا أيضًا محرم بلا شك؛ لأنه إخراج لكلام الله عن الوجه الذي تكلم الله به.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 110 ).

  1. تنكيس الآيات، وهو قراءة الآية اللاحقة قبل الآية السابقة، فيقرأ { من شر الوسواس الخناس } قبل { إله الناس }!

حكمه:

قال القاضي عياض:

ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف, وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم.

من ” شرح النووي ” ( 6 / 62 )، وكذا قال ابن العربي كما في ” الفتح ” ( 2 / 257 ).

وقال الشيخ ابن عثيمين:

تنكيس الآيات أيضًا محرم على القول الراجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 110 ).

  1. وأما تنكيس السور، فهو قراء السورة اللاحقة قبل السابقة، فيقرأ – مثلًا – ” آل عمران ” قبل ” البقرة “.

حكمه:

من قال من العلماء إن ترتيب السور ليس توقيفيًا: لم ير بذلك بأسًا.

ومن رأى أن الترتيب توقيفي، أو أن إجماع الصحابة على ترتيبه حجة: لم ير جواز ذلك.

والصحيح:

أن الترتيب ليس توقيفيًّا، وإنما هو من اجتهاد بعض الصحابة.

وأنه لا إجماع على الترتيب بين الصحابة، إذ كان مصحف ” عبد الله بن مسعود ”  – مثلًا – على خلاف تلك المصاحف ترتيبًا.

وفي السنة ما يؤيد الجواز:

أ. عن حذيفة قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها…… رواه مسلم ( 772 ).

الشاهد في الحديث أنه قرأ النساء قبل آل عمران.

قال النووي:

قال القاضي عياض: فيه دليل لمن يقول إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف, وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم بل وَكَله إلى أمته بعده. قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء, واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني, قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما.

قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين، والتعليم, وأنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نص, ولا حد تحرم مخالفته, ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان.

قال: واستجاز النبي صلى الله عليه وسلم والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين.

قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان, وإنما اختلاف المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير, فيتأول قراءته صلى الله عليه وسلم النساء أولا ثم آل عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب, وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبي.

قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى, وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة.

قال: وقد أباحه بعضهم.

وتأويل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها.

قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف, وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلام القاضي عياض. والله أعلم. ” شرح مسلم ” (  6 / 61 ، 62  ).

وأما أن الجني يدخل في بدن مثل هذا القارئ بالتنكيس: فهذا لا يجزم به، وهذا فيما لو نكَّس التنكيس المحرَّم ويكفيه أنه آثم عند ربه.

وقد يطلب بعض الجن الكافر من الساحر أو المشعوذ أن يقرأ القرآن هكذا، وقد رأينا بعض ” التمائم ” كتب فيها السحرة والمشعوذون كلام الله تعالى معكوسًا.

فهذا الأمر من المحرمات في دين الله، وهو من اتخاذ آيات الله هزؤًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة