يدعي أن الجن تساعده في القراءة على الناس
السؤال
يوجد لدي صديق قال لي إنه يعالج بالقرآن لكن عن طريق الجن حيث إنهم يخبروه بالآيات التي يقرؤها على المريض وأنهم مسلمون حيث إنهم عندما يأتون إليه يردون عليه السلام … لكن مرة أخبرني بشيء غريب ألا وهو أن يأتي بروح أحد الأشخاص ويتكلم على لسانه كأحد الأنبياء أو أن والده المتوفى يجلس معهم ويشرب الشاي معهم لكنهم لا يروه إنما يرى الكاسة ترتفع وتنزل ومرة أخبرني شغلة! تتعلق بأمر الغيب بأن أحد الأشخاص سوف يموت بعد عامين أو تحدث بعض التغيرات… لكنه أيضا إذا أحد مرض يقرأ عليه الرقية الشرعية، وأيضا إنه لا يأخذ الفلوس مقابل هذه الخدمة…. هل ما يقوم به هذا الشخص صحيح أم يخالف الإسلام؟… وإذا كان يخالف الشريعة ما هو موقفي تجاهه؟ هل أستمر في صحبته أم أقطع علاقتي به؟…. وماذا يستفيد من ذلك لأنه كما أسلفت لا يتقاضى المال؟…. وجزاك الله خير الجزاء؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
يجوز للمسلم أن يعالج بالقرآن، وقد جعله الله تعالى شفاءً ورحمة، وقد صح في غير ما حديث قراءة بعض الآيات أو السور علاجا من أمراض حسية ومعنوية، ومنه حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين – البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ) – وفيه قراءة الفاتحة على الملدوغ، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها .
رواه البخاري ( 4175 ) ومسلم ( 2192 ).
ثانيا:
لا يجوز لأحدٍ أن يستعين بالجن في أي أمرٍ من الأمور، ونحن في غنية عن دلالة الجن لبعض الآيات التي يقرؤها المعالِج على مرضاه، فقد جاء في السنة الصحيحة ما يغنينا عن مثل هذا.
وكون الجن يبدؤون بالسلام ويدلون على بعض الآيات لا يدل على صدقهم، فالأصل في الجن الكذب، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة – عن الجني – ” صدقك وهو كذوب ” رواه البخاري (2311) – معلَّقاً بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” ( ص 533 ) -.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أمسّ الحاجة إلى من يعينهم في أمور القتال وكشف أسرار الأعداء، ولم يستخدموا أحدًا من مسلمي الجن في ذلك، فإذا كان الداعي إلى استعمال الجن قائما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الإمكانية ولم يستعملهم دلَّ ذلك على أن استعمالهم بعده غير مشروع.
* وكيف نجزم – أصلا – أنّ هذا الجن من المسلمين؟
لا يمكن ذلك من غير وحي، ومن قال: بالقرائن، فنذكره بمن نراه وهو منافق، ونذكره بالاستدراج، فسقطت المسألة من أصلها.
- قال علماء اللجنة الدائمة:
الاستعانة بالجن واللجوء إليهم في قضاء الحاجات مِن الإضرار بأحدٍ أو نفعه: شرك في العبادة؛ لأنه نوعٌ من الاستمتاع بالجني بإجابته سؤاله وقضائه حوائجه في نظير استمتاع الجني بتعظيم الإنسي له ولجوئه إليه واستعانته به في تحقيق رغبته.
قال الله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجَّلتَ لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم، وكذلك نولِّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون }، وقال تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا }.
فاستعانة الإنسي بالجنّي في إنزال ضرر بغيره، واستعانته به في حفظه مِن شرِّه: كلُّه شرك.
ومن كان هذا شأنه: فلا صلاة له ولا صيام، لقوله تعالى: { لئن أشركتَ ليحبطنَّ عملُك ولتكونن من الخاسرين )، ومن عُرف عنه ذلك: لا يُصلَّى عليه إذا مات، ولا تُتبع جنازته، ولا يُدفن في مقابر المسلمين.
الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 407 ، 408 ).
- وسئلت اللجنة الدائمة سؤالا في الموضوع يقول:
أفيدكم علما بأن في ” زامبيا ” رجلا مسلما يدَّعي أنّ عنده جنًّا، والناس يأتون إليه ويسألون الدواء لأمراضهم، وهذا الجن يحدِّد الدواء لهم.
وهل يجوز هذا؟
فأجابوا: لا يجوز لذلك الرجل أن يستخدم الجن، ولا يجوز للناس أن يذهبوا إليه طلبا لعلاج الأمراض عن طريق ما يستخدمه من الجن ولا لقضاء المصالح عن ذلك الطريق.
وفي العلاج عن طريق الأطباء من الإنس بالأدوية المباحة مندوحة وغنية عن ذلك مع السلامة من كهانة الكهَّان.
وقد صحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ” من أتى عرَّافا فسأله عن شيء: لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ” رواه مسلم.
وخرَّج أهل السنن الأربعة والحاكم وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أتى كاهنا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد “.
وهذا الرجل وأصحابه من الجن يعتبرون من العرَّافين والكهنة، فلا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 408 ، 409 ).
ثالثا:
وأما ” تحضير الأرواح ” فهو من خرافات السحرة والكهنة أتباع الشياطين، وللشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – فتوى مفصلة في هذا الأمر، نقتبس منه بعض الجمل.
قال رحمه الله:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فلقد شاع بين كثير من الناس من الكتَّاب وغيرهم ما يسمى بعلم ” تحضير الأرواح “، وزعموا أنهم يستحضرون أرواح الموتى بطريقة اخترعها المشتغلون بهذه الشعوذة، يسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب وغير ذلك من الشؤون التي يظن أنَّ عند الموتى علماً بها في حياتهم.
ولقد تأمَّلت هذا الموضوع كثيرا، فاتضح لي أنه علم باطل، وأنَّه شعوذة شيطانية يراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على المسلمين والتوصُّل إلى دعوى علم الغيب في أشياء كثيرة، ولهذا رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة لإيضاح الحق والنصح للأمة وكشف التلبيس عن الناس، فأقول: لا ريب إن هذه المسألة مثل جميع المسائل يجب ردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أثبتاه أو أحدهما أثبتناه، وما نفياه أو أحدهما نفيناه، كما قال الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }.
ومسألة ( الروح ) من الأمور الغيبية التي اختص الله سبحانه وتعالى بعلمها ومعرفة كنهها، فلا يصحُّ الخوض فيها إلا بدليل شرعي، قال الله تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا }، وقال سبحانه في سورة النمل: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } الآية …..
فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنَّهُ لا صحةَ لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاؤون من الأموات ويكلمونها ويسألونها.
فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل، بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع.
أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح، إما لكسب مال أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة.
وما يدعيه هؤلاء الدجالون من تحضير الأرواح، إنما هي أرواح شياطين يخدمها بعبادتها وتحقيق مطالبها وتخدمه بما يطلب منها كذبا وزورا في انتحالها أسماء من يدعونه من الأموات، كما قال الله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون }، وقال تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكبرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم }.
وذكر علماء التفسير أن استمتاع الجن بالإنس بعبادتهم إياهم بالذبائح والنذور والدعاء، وأن استمتاع الإنس بالجن قضاء حوائجهم التي يطلبونها منهم وإخبارهم ببعض المغيبات التي يطلع عليها الجن في بعض الجهات النائية أو يسترقونها من السمع أو يكذبونه وهو الأكثر…..
ومما ذكرناه في أول الجواب وما ذكرته اللجنة والدكتور محمد محمد حسين في التنويم المغناطيسي يتضح بطلان ما يدعيه محادثوا الأرواح من كونهم يحضرون أرواح الموتى ويسألونهم عما أرادوه، ويعلم أن هذه كلها أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الكهنة والعرافين وأصحاب التنجيم ونحوهم، والواجب على المسؤولين في الدول الإسلامية منع هذا الباطل والقضاء عليه وعقوبة من يتعاطاه حتى يكف عنه، كما أن الواجب على رؤساء تحرير الصحف الإسلامية أن لا ينقلوا هذا الباطل وأن لا يدنسوا به صحفهم، وإذا كان لا بد من نقل فليكن نقل الرد والتزييف والإبطال والتحذير من ألاعيب الشياطين من الإنس والجن ومكرهم وخداعه وتلبيسهم على الناس.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو المسؤول سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 309 – 316 ) باختصار.
وأخيرًا:
عليك أن تنصح هذا المخالف للشرع، فإن لم يستجب فيجب عليك هجره والتحذير منه، ولا يجوز لك مصاحبته على حاله تلك حتى يدع ما هو عليه، ولا يغرنك قراءته لبعض الآيات ولا عدم أخذه للمال، فإن هذا لا يجعل الباطل حقّا، ثم هو لا يدوم طويلاً مع أمثال هؤلاء فسرعان ما تظهر حقيقتهم فيبدؤون بأخذ المال من الناس وترك الواجبات وارتكاب المحرمات.
والله أعلم.


