هل يجوز لهم السماح للكفار بالاحتفال بأعيادهم في ساحة المسجد؟
السؤال
ما حكم دخول غير المسلمين لساحة المسجد ، حيث إن بالمسجد ساحة خارجة عن المسجد المعد للصلاة , وهذه الساحة تابعة للمسجد ، إذ إن هناك باباً موحداً بينهما , وهذه الساحة مجهزة بكراسي ، وطاولات ، يتم استغلالها عند الحاجة .
ودخول غير المسلمين لها يكون موسميّاً ، عندما يكون لهم تجمعات بسبب أحد أعيادهم ، فيتم استغلال هذا التواجد لهم , ويتم تجهيز أطباق للغداء , ويتم تقديمها في هذه الساحة , ومدخول هذا اليوم يذهب لخزانة المسجد ، لتجهيزه ، وما شابه .
وما حكم هذا العمل ؟ وهل يعتبر بمثابة مشاركتهم في عيدهم ؟ مع أن نيتنا تكون مخالفة بحيث يكون هدفنا هو جمع مبالغ من المال لصالح المسجد ونيتنا – إن شاء الله – هذا العام ستكون أسمى بحيث نود استغلال تواجدهم ، وتعريفهم بالإسلام .
وهل في دخولهم لهذه الساحة حرج مع العلم أن إقامتي في أحد البلدان الغربية ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
يجوز دخول الكافر إلى المسجد إذا كان ثمة مصلحة شرعية من دخوله , فقد جاء في الحديث عن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : ( مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ) ، فَقَالَ : عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ : ( مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ) قَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ : ( مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ) فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ ، فَقَالَ : ( أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ) ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ : صَبَوْتَ ؟ قَالَ : لاَ ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ وَاللَّهِ لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري ( 4114 ) ومسلم ( 1764 ) .
قال النووي – رحمه الله – :
وفي هذا جواز ربط الأسير ، وحبسه ، وجواز إدخال المسجد الكافر ، ومذهب الشافعي : جوازه بإذن مسلم ، سواء كان الكافر كتابيّاً ، أو غيره … .
ودليلنا على الجميع : هذا الحديث ، وأما قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ ) : فهو خاص بالحرَم ، ونحن نقول : لا يجوز إدخاله الحرم . ” شرح مسلم ” ( 12 / 87 ) .
والصحيح : أن دخول الكافر لمساجد المسلمين ينبغي أن يكون لمصلحة شرعية ، كسماع محاضرة ، أو حاجة ضرورية ، كشرب الماء ، وهو ما قاله علماء اللجنة الدائمة ، والشيخ عبد العزيز بن باز .
ولا ينبغي التوقف في منع الكفار من دخول بيوت الله للسياحة ، والتصوير ، أو التوقف في منع دخول رؤوس الكفر عندهم ؛ لما في دخول هؤلاء من عزة لهم ، وذل للمسلمين ، مع ما في الأول من إهانة بيت الله بالمعاصي الظاهرة ، كالتبرج ، والاختلاط.
ثانياً:
وساحة المسجد تكون من المسجد ، تابعة له ، في حالين :
أ. إن كانت محاطة بسور يجمعها مع المسجد : فحكمها حينئذٍ حكم المسجد .
قال علماء اللجنة الدائمة :
ما كان داخل سور المسجد : فهو من المسجد ، وله حكم المسجد ، فرحبة المسجد : من المسجد ، ومكتبة المسجد : من المسجد ، إذا كان كلٌّ منهما داخل سور المسجد ، إلا أنه لا يجوز لأحد أن يصلي فيهما ويترك الصلاة مع الإمام جماعة ، بل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة ، ضمن الصفوف التي خلف الإمام .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية (5 / 234 ) .
ب. وكذا لو كانت قد بنيت توسعة للمسجد ، واتخذت للصلاة فيها .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – : ما كان تابعاً للمسجد : فهو تبع المسجد ، والصلاة مضاعفة في الحرم كله ، وساحات المسجد : تبع المسجد ، ما دام أدخلت زيادة له ، وتوسعة له ، فهي تابعة له في الفضل ، والمضاعفة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 63 ) .
فالعبرة في تحديد بقعة المسجد ليس البناء الذي يُبنى للصلاة فيه ، بل العبرة بما أوقف من أرض لاتخاذها مسجداً ، وما كان اليوم ساحة لا يصلَّى فيها فقد يأتي يوم يتوسع المسجد ليشمل تلك الساحة .
– وأما إن لم تكن مسوَّرة ، ولم تتخذ للصلاة فيها : فليس لها حكم المسجد .
ثالثاً:
وما تقوله من دخول الكفار في ساحة المسجد من أجل إقامة أعيادهم : يحتِّم عليكم منعهم إن أقاموه في ساحة المسجد التابعة للمسجد في الوقف ، أو المحاطة بسور ، أو التي تتخذ للصلاة في الجمَع ، والأعياد ؛ لأن إقامة أعياد وتجمعات للكفار في بيت الله ليس فيه مصلحة شرعية .
وأما إن كانت الساحة ليس لها حكم المسجد : فيفرَّق هنا بين نوعين من الأعياد:
أ. فإن كانت تلك الأعياد أعياداً دينية عندهم : فلا يجوز تمكينهم من تلك الساحة إن كنتم تملكون منعهم ؛ لأنه منكر لا يجوز الإعانة في وجوده ، كما لا يجوز لمسلم شهود أعياد الكفار الدينية ، ومشاركتهم في ذلك ؛ لأن في ذلك إقراراً لهم على باطلهم ، وقد صح عن عمر رضي الله عنه قوله : ” لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم ، ومعابدهم ، يوم عيدهم ؛ فإن السخطة تنزل عليهم ” .
رواه عبد الرزاق ( 1 / 411 ) وابن أبي شيبة ( 6 / 208 ) .
ب. وأما إن كانت الأعياد غير دينية ، ولم يكن فيها ما يحرم ، مِن رقص ، وخمور ، بل كانت مجرد تجمع لهم ، وكان من أهدافكم في السماح لهم : دعوتهم إلى الإسلام ، وتعريفهم به : فلا نرى حرجاً من الإذن لهم بدخولها ، ولا بأس بإكرامهم بالطعام ، والشراب .
* وفي هذه الحال: لا نرى أن تأخذوا منهم شيئاً من المال ؛ لسببين :
- أنه ثمة خلاف بين العلماء في أن يؤجِّر أحدٌ المسجد ، أو جزءً منه لمن ينتفع به في غير أوقات الصلاة .
- أن في ذلك مدخلاً على قلوبهم لتأليفها على الإسلام .
ونسأل الله أن يوفقكم لما فيه رضاه .
والله أعلم.


