وقفات مع عبارة ” الحياة هي عشق الطبيعة “!!
السؤال
عندي سؤالٌ شرعي:
ما حكم هذه العبارة في الشريعة الإسلامية: ” الحياة هي عشق الطبيعة “؟.
وبالله التوفيق.
الجواب
الحمد لله
هذه الجملة فيها من المعاني الباطلة الشيء الكثير ، ولا شك أن الطبيعة محبوبة للنفوس السويَّة ، والناظر إليها يتمتع ويلتذ بما أبدعه الله وخلقه على غير مثال سابق ، ولكن أن نجعل الحياة هي فقط عشق الطبيعة : فإنه لا ينبغي ذلك لعاقل ، فضلاً عن مسلم موحِّد ، ولنا مع قائل هذه العبارة وقفات – ونحن نفترض أن قائلها مسلم ، وإلا فلا يصلح له حديثنا هذا -:
- من هو خالق هذه الطبيعة الجميلة ؟ .
والجواب : إنه الله تعالى ، فهلاَّ سبَّحت ربك تعالى عندما ترى منظراً طبيعيّاً جميلاً ! وهلاَّ حمدت الله على ما أبدع من زينة في الدنيا ! وهلاَّ نسبت الخلق لخالقه ، ومسخره ! .
قال تعالى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) الأعراف/ 54.
- المناظر الطبيعة – كالجبال والأشجار – تسجد لله تعالى خالقها .
فهلا تأملت أخي القائل في هذا الأمر ، وهل تعلمه أصلاً ؟! وهل تعلم أن الله تعالى قد أخبرنا أن ما خلقه من مناظر تأخذ الألباب أنها تسجد لله تعالى ، في الوقت نفسه أخبرنا أن بعض خلقه لا يفعلون هذا ؟! فهلاَّ تبرأت من أولئك الجاحدين وصرتَ مع الساجدين .
قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) الحج/ 18 .
- ما هو مآل هذه المناظر الطبيعية ؟ .
أما في الدنيا : فمآل الأزهار إلى ذبول ، ومآل الخضرة إلى هشيم .
وأما في الآخرة – عند القيامة – فالبحار تسجَّر ناراً ، والجبال تصير كالقطن المنفوش ، وتنكدر النجوم ، والشمس والقمر يُخسفان .
فهذه مآل الطبيعة ، وهذه مآل الحياة ، فماذا بعد ذلك ؟! سيُرجع الله تعالى خلقَه إليه ليحاسبهم بعد بعثهم من قبورهم ، فهل الحياة هي – فقط – عشق الطبيعة وقد علمت مآل الطبيعة ومآلك بعد الفناء ؟ .
قال تعالى : ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يونس/ 24 .
وقال تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) الكهف/ 45 .
- خلق الله الزينة للابتلاء والاختبار .
وهل علم ذلك القائل أن الله تعالى خلق الأرض وما عليها من زينة للابتلاء والاختبار ، وليس ليقضي عمره متمتعاً بتلك الزينة ؟! .
قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ) الكهف/ 7 ، 8 .
وقال تعالى : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك/ 1 ، 2 .
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) هود/ 7 .
فماذا أعدَّ ذلك القائل – وغيره – للاختبار والامتحان ؟ وهل تلك الزينة التي خلقها الله تعالى فتنته فأنسته ذلك الاختبار ؟! .
- التفكر في حقيقة الطبيعة وزوالها يذكِّر بالخلق والبعث .
هذه المناظر الطبيعية من جبال ، وأنهار ، وأشجار ، وغيرها : كانت عدماً ، فأوجدها الرب تعالى ، وخلقها من عدم ، وإن مآلها إلى زوال وفناء ، فعلى من نظر إلى تلك الطبيعة – وخاصة ما يراه من نمو الأزهار – أن يتفكر في ذلك الإيجاد ، وذلك العدم ، فهذا حال الدنيا ، وإن ذلك ليدعو إلى التفكر بالبعث ، بل إن الله تعالى ضرب المثل لذلك على بعث الأبدان يوم القيامة ، فهذا ما ينبغي التأمل فيه عند النظر إلى الطبيعة .
قال تعالى : ( ياأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) الحج/ 5 .
قال الشنقيطي – رحمه الله – في تعداد براهين البعث يوم القيامة – :
البرهان الثالث : إحياء الأرض بعد موتها ؛ فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت ، كما أشار له هنا بقوله : ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ ) ، وأوضحه في آيات كثيرة ، كقوله : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فصلت/ 39 ، وقوله : ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) ق/ 11 ، يعني : خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظاماً رميماً ، وقوله : ( وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) الروم/ 19 ، وقوله تعالى : ( حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الأعراف/ 57 ، إلى غير ذلك من الآيات . ” أضواء البيان ” ( 1 / 18 ) .
- ما الحكمة من الخلق ؟ .
أوضح الله تعالى الحكمة من خلق الحياة فيما سبق ذِكره من الآيات أنه للاختبار ، والابتلاء ، وأخبر بالحكمة من الإنس والجن أنه لعبادته وحده لا شريك له ، فقال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات/ 56 .
هذه – أخي الفاضل – هي حقيقة الحياة ، وحقيقة المناظر الطبيعية ، وحقيقة الخلق أجمع ، فمن وعى هذا : علم مقدار خطأ تلك الجملة ، وأنها بعيدة كل البعد عن الصواب .
ورب كلمة جرت على صاحبها خسران الدنيا والآخرة , ولذلك جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ ) رواه البخاري ( 6113 ) .
قال النووي – رحمه الله – :
وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات ؛ لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات ، أو المكروهات , وقد أخذ الإمام الشافعي رضي الله عنه معنى الحديث فقال : ” إذا أراد أن يتكلم : فليفكر , فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه : تكلم , وإن ظهر له فيه ضرر ، أوشك فيه : أمسك ” . ” شرح مسلم ” ( 2 / 19 ) .
والله أعلم.


