يريد معلومات عن الختان كيفيته أو مكانه وختان النبي صلى الله عليه وسلم؟!
السؤال
هل يمكن أن ترسلوا لنا معلومات عن الختان كيفيته أو مكانه أو معلومات عن الختان الذي تم للنبي عليه السلام؟
الجواب
الحمد لله
لقد ألف الإمام ابن القيم كتابًا قيمًا في أحكام المولود وما يترتب عليه سماه: ” تحفة المودود في أحكام المولود “، وقد عقد في هذا الكتاب بابًا واسعًا تكلم فيه عن الختان، وهذا ملخص منه، بالإضافة إلى نقل عن غيره من أهل العلم.
- معنى الختان:
قال ابن القيم:
اسم لفعل الخاتن، وهو مصدر كالنزال والقتال، ويسمى به موضع الختن أيضا ومنه الحديث: ” إذا التقى الختانان وجب الغسل “، ويسمى في حق الأنثى خفضا يقال: ختنت الغلام ختنا، وخفضت الجارية خفضا، ويسمى في الذكر إعذارا أيضا، وغير المعذور يسمى أغلف وأقلف. ” تحفة المولود ” ( 1 / 152 ).
- الختان سنة إبراهيم والأنبياء من بعده:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم “. رواه البخاري ( 3178 ) ومسلم ( 2370 ).
وقال ابن القيم:
والختان كان من الخصال التي ابتلى الله سبحانه بها إبراهيم خليله فأتمهن وأكملهن فجعله إمامًا للناس، وقد روي أنه أول من اختتن كما تقدم، والذي في الصحيح اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح فإنه اختتن والنصارى تقر بذلك ولا تجحده كما تقر بأنه حرَّم لحم الخنزير …
” تحفة المودود ” ( ص 158 – 159 ).
هذا، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الختان، وقد أطال ابن القيم في عرض حجج الفريقين ولم يرجح شيئًا.
قال الشيخ ابن عثيمين:
وأقرب الأقوال: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، ووجه التفريق بينهما: أنه في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت هذه الجلدة: فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع، وصار سببًا في الاحتراق والالتهاب كلما تحرك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجس بذلك.
وأما في حق المرأة: فغاية فائدته: أنه يقلل من غلمتها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى. ” الشرح الممتع ” ( 1 / 133 ، 134 ).
- مكانه وكيفيته:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
قال أبو البركات في كتابه ” الغاية “: ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة، وإن اقتصر على أخذ أكثرها جاز ويستحب لخافضة الجارية أن لا تحيف، نص عليه وحكي عن عمر أنه قال للخاتنة: أبقي منه إذا خفضت، وقال الخلال في ” جامعه “: ذكر ما يقطع في الختان: أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن زياد حدثهم قال: سئل أحمد: كم يقطع في الختانة؟ قال: حتى تبدو الحشفة.
وأخبرني عبد الملك الميموني قال: قلت : يا أبا عبد الله مسألة سئلت عنها: ختَّان ختن صبيًّا فلم يستقص، فقال: إذا كان الختَّان قد جاز نصف الحشفة إلى فوق: فلا يعتد به؛ لأن الحشفة تغلظ، وكلما غلظت هي ارتفعت الختانة، ثم قال لي: إذا كانت دون النصف أخاف، قلت له: فإن الإعادة عليه شديدة جدًّا ولعله قد يخاف عليه الإعادة، قال لي: إيش يخاف عليه؟ ورأيت سهولة الإعادة إذا كانت الختانة في أقل من نصف الحشفة إلى أسفل، وسمعته يقول: هذا شيء لا بد أن تتيسر فيه الختانة.
وقال ابن الصباغ في ” الشامل “: الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها، وأما المرأة فلها عذرتان: إحداهما بكارتها، والأخرى هي التي يجب قطعها وهي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشفرين وإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة.
وقال الجويني في ” نهايته “: المستحق في الرجال: قطع القلفة وهي الجلدة التي تغشى الحشفة، والغرض أن تبرز، ولو قرض مقدار منه على الكَمَرة لا ينبسط على سطح الحشفة فيجب قطعه حتى لا تبقى الجلدة متدلية.
وقال ابن كج: عندي: يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها.
وقال الجويني: القدر المستحق من النساء: ما ينطلق عليه الاسم، قال: في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال، قال: أَشِمِّي ولا تَنْهَكي، أي: اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع.
وقال الماوردي: والسنة أن يستوعب القلفة التي تغشى الحشفة بالقطع من أصلها، وأقل ما يجزئ فيه: أن لا يتغشى بها شيء من الحشفة، وأما خفض المرأة: فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ويؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها. انتهى كلام ابن القيم. ” تحفة المودود ” ( 190 – 192 ).
وقد ردَّ الإمام النووي على من أجاز الاكتفاء بقطع بعض الحشفة، فقال:
وهذا الذي قاله ابن كج شاذ ضعيف، والصحيح المشهور الذي قطع به الأصحاب في الطرق ما قدمناه أنه يجب قطع جميع ما يغطي الحشفة. ” المجموع ” ( 1 / 351 ).
- ويجوز دفع المال للختَّان.
قال ابن قدامة :
ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، وقطع السلعة، لا نعلم فيه خلافا؛ ولأنه فعل يحتاج إليه، مأذون فيه شرعا، فجاز الاستئجار عليه، كسائر الأفعال المباحة.
” المغني ” ( 5 / 314 ).
- زمانه:
قال النووي:
قال أصحابنا: وقت وجوب الختان بعد البلوغ، لكن يستحب للولي أن يختن الصغير في صغره؛ لأنه أرفق به … واعلم أن هذا الذي ذكرناه من أنه يجوز ختانه في الصغر ولا يجب لكن يستحب هو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور. ” المجموع ” ( 1 / 351 ).
وقال ابن المنذر:
ليس في باب الختان نهي يثبت، ولا لوقته حد يرجع إليه، ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة. انظر: ” المجموع ” للنووي ( 1 / 353 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أما الختان فمتى شاء اختتن، لكن إذا راهق البلوغ: فينبغي أن يختن كما كانت العرب تفعل، لئلا يبلغ إلا وهو مختون. ” الفتاوى الكبرى ” ( 1 / 275 ).
- هل يختن من مات ولم يكن قد اختتن؟
الصواب: أنه لا يختن.
قال النووي:
لو مات غير مختون: فثلاثة أوجه:
الصحيح الذي قطع به الجمهور لا يختن؛ لأن ختانه كان تكليفا وقد زال بالموت.
والثاني : يختن الكبير والصغير.
والثالث: يختن الكبير دون الصغير، حكاهما في البيان وهما شاذان ضعيفان.
” المجموع ” ( 1 / 352 ).
- هل على المرأة ختان؟
سئل عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فأجاب:
الحمد لله، نعم تختن، وختانها: أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك، قال رسول الله للخافضة – وهي الخاتنة -: ” أشمِّي ولا تَنهكي؛ فإنه أبهى للوجه وأحظى لها عند الزوج ” يعني: لا تبالغي في القطع، وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة.
ولهذا يقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء، فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا من الفواحش في نساء التتر، ونساء الإفرنج، ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصل المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال والله أعلم. ” الفتاوى الكبرى ” ( 1 / 274 275 ).
8. أما كيف ختن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فقد ذكر ابن القيم ثلاثة أقوال في ختانه صلى الله عليه وسلم:
1 – أنه ولد مختونًا.
2 – أن الملائكة قد ختنوه يوم شقوا صدره.
3- أن جده عبد المطلب ختنه لسابعه.
* قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
وقد اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أنه ولد مختونا، والثاني: أن جبريل ختنه حين شق صدره، الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم. ” تحفة المولود ” ( ص 201 ).
أما الرأي الأول: فقد أورد ابن القيم في كتابه المذكور أحاديث كثيرة تدل على ذلك ولكنه حكم عليها كلها بالضعف، ثم ذكر أن الصبي إذا ولد مختونًا: فإن هذه نقيصة وليست منقبة لصاحبها كما يظنه الظان.
قال رحمه الله تعالى:
وقيل: إن قيصر ملك الروم الذي ورد عليه امرؤ القيس وُلد كذلك، ودخل عليه امرؤ القيس الحمَّام فرآه كذلك فقال يهجوه:
إني حلفت يمينا غير كاذبة لأنت أغلف إلا ما جنى القمر
يعيره أنه لم يختتن، وجعل ولادته كذلك نقصا، وقيل: إن هذا البيت أحد الأسباب الباعثة لقيصر على أن سمَّ امرء القيس فمات.
وأنشد ابن الأعرابي فيمن ولد بلا قلفة:
فداك نكس لا يبض حجره مخرق العرض حديد ممصره
في ليل كانون شديد خصره عض بأطراف الزبانى قمره
يقول: هو أقلف ليس بمختون إلا ما قلص منه القمر، وشبَّه قلفته بالزباني وهي قرنا العقرب وكانت العرب لا تعتد بصورة الختان من غير ختان وترى الفضيلة في الختان نفسه وتفخر به.
قال: وقد بعث الله نبيَّنا من صميم العرب، وخصَّه بصفات الكمال من الخلق، والنسب فكيف يجوز أن يكون ما ذكره من كونه مختونًا مما يميز به النبي ويخصص، وقيل: إن الختان من الكلمات التي ابتلى الله بها خليله فأتمهن وأكملهن وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وقد عد النبي الختان من الفطرة، ومن المعلوم: أن الابتلاء به مع الصبر مما يضاعف ثواب المبتلى به وأجره، والأليق بحال النبي أن لا يسلب هذه الفضيلة وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله فإن خصائصه أعظم من خصائص غيره من النبيين وأعلى.
” تحفة المولود ” ( 205 – 206 ).
أما الرأي الثاني فقد قال فيه:
وحديث شق الملك قلبه قد روي من وجوه متعددة مرفوعًا إلى النبي وليس في شيء منها أن جبريل ختنه إلا في هذا الحديث فهو شاذ غريب. ” تحفة المولود ” ( ص 206 ).
وأما الرأي الثالث فقد قال فيه:
قال ابن العديم: وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع، قال: وهو على ما فيه أشبه بالصواب، وأقرب إلى الواقع. ” تحفة المولود ” ( ص 206 ).
والله أعلم.


