كيف نصلي في الملابس التي أصابها المني؟
السؤال
إذا كان السائل المنوي يعد محتقرا، فكيف نصلي في الملابس التي أصابها المني؟
– أرجو التفضل بتوضيح المسألة.
الجواب
الحمد لله
أولاً :
بالنسبة للماء الذي يخرج من الإنسان فهو أربعة أنواع :
- البول : وهو نجس بالإجماع ويجب غسل ما أصابه البول من الثياب أو البدن .
- المذي : وهو يخرج عند التفكير في الجماع أو الملاعبة أو التقبيل وصفته ماء أبيض يغلب عليه الشفافية، وحكمه : أنه نجس ويجب فيه غسل ما أصاب من البدن أو الثياب ولا يوجب الغسل كاملا بل يكفي فيه الوضوء وغسل الفرج .
عن علي رضي الله عنه قال:” كنت رجلا مذاءً فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فقال:” توضأ واغسل ذكرك ” . رواه البخاري ( 132 ) ، ومسلم ( 303 ) .
- الودي : وهو يخرج من الرجل بعد البول وهو ماء أبيض يميل إلى الصفار ، وحكمه : أنه نجس ولا يجب فيه الغسل كاملاً وإنما حكمه حكم المذي في التطهر منه .
- المني : وهو الذي يخرج دفقاً ويكون منه الولد ، ويخرج عند الاحتلام وعند الجماع ، وقد اختلف العلماء في نجاسته أو طهارته ، فذهب أبو حنيفة ومالك إلى نجاسته ، وذهب الجمهور ومنهم أصحاب الحديث إلى طهارته ، والصواب إن شاء الله : أنه طاهر ، ورجح ذلك كثير من العلماء المعاصرين ، ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها :
أ. عن عائشة قالت : ولقد رأيتني أفركه – أي : المني – من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه .
– ولو كان نجسا لم تكتف بفرْكه .
ب. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب ؟ فقال : إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق . أخرجه الدارقطني ( 1 / 121 ) البيهقي ( 2 / 418 ) وصححاه موقوفاً عليه .
ج. أن القاعدة تقول الأصل في الأشياء الطهارة إلا أن يدل دليل على نجاسته ، والمني مما تعم به البلوى ومما يحتاج إلى أن يسأل عنه فلما لم ينقل دل ذلك على الأصل وهو الطهارة ، وقد ذكر ابن القيم وعقد بابا في كتابه ” بدائع الفوائد ” وذكر أدلة الفريقين ثم قال رحمه الله :
وبالجملة فمن المحال أن يكون المني نجسا والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم شدة ابتلاء الناس به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه .
” بدائع الفوائد ” ( 3 / 646 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
كما استدللنا على أن المني لو كان نجسا لكان يأمر الصحابة بإزالته من أبدانهم وثيابهم لأنه لابد أن يصيب أبدان الناس وثيابهم في الاحتلام ، فلما لم ينقل أحد عنه أنه أمر بإزالة ذلك لا بغسل ولا بفرك مع كثرة إصابة الأبدان والثياب على عهده وإلى يوم القيامة على أنه لم يأمر بذلك ويمتنع أن تكون إزالته واجبة ولا يأمر به مع عموم البلوى بذلك كما أمر بالاستنجاء من الغائط والبول والحائض ولو كان واجبا لكان يجب الأمر به وكان إذا أمر فلا بد أن ينقله المسلمون لأنه مما تتوفر الدواعي والهمم على نقله . “مجموع الفتاوى” ( 26 / 191 ).
ثانياً :
فإذا أصاب الثوبَ منيٌّ فيكتفى بغسل البقعة – إن أراد غسلها – التي أصابها دون الحاجة إلى غسل الثوب كاملاً.
عن عمرو بن ميمون قال سألت سليمان بن يسار في الثوب تصيبه الجنابة قال : قالت عائشة : كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل فيه بقع الماء . رواه البخاري ( 229 ) ومسلم ( 289 ) .
– بل قد أنكرت عائشة رضي الله عنها على من غسل ثوبه كاملاً من المني .
عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال : كنت نازلاً على عائشة فاحتلمت في ثوبيَّ فغمستهما في الماء فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها فبعثت إلي عائشة فقالت : ما حملك على ما صنعت بثوبيك ؟ قال : قلت رأيت ما يرى النائم في منامه ، قالت : هل رأيت فيهما شيئاً ؟ قلت : لا ، قالت: فلو رأيت شيئاً غسلتَه ، لقد رأيتُني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري . رواه مسلم ( 290 ) .
ثالثاً :
وأما حكم المني فيجب فيه الغسل ولا يكفي فيه الوضوء ويشترط في هذا المني الذي يجب فيه الغسل أن يكون خرج لشهوة كالجماع أو الاحتلام أو غيره وأما إذا خرج لمرض أو شدة برد فهذا لا يجب فيه الغسل كما ذكر ذلك شيخ الإسلام في” المجموع” ( 21 / 296 ) .
رابعاً :
وأما قول السائل أنه يعد محتقرا ، فيحمل على الاستقذار لا النجاسة وهناك فرق بينهما فالمخاط والبصاق واللعاب كلها مستقذرة عند الناس ولكن ما قال أحد أنها نجسة وكذلك المني فهو مستقذر ولكنه ليس نجس فكل نجس مستقذر وليس العكس .
وليس معنى كونه ليس بنجس أنه لا يحرص على إزالته من الثوب ، فقد سبق فعل عائشة في ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو غسله إن كان رطباً وفركه إن كان يابساً .
قال الإمام الترمذي :
وحديث عائشة أنها غسلت منيّاً من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمخالف لحديث الفرك ؛ لأنه وإن كان الفرك يجزئ : فقد يستحب للرجل أن لا يُرى على ثوبه أثره ، قال ابن عباس : المني بمنزلة المخاط فأمطه عنك ولو بإذخرة . ” سنن الترمذي ” ( 1 / 201 ) .
وقال الحافظ ابن حجر :
وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض ؛ لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث ، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطباً والفرك على ما كان يابسا وهذه طريقة الحنفية .
والطريقة الأولى أرجح ؛ لأن فيها العمل بالخبر والقياس معاً ؛ لأنه لو كان نجسا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك .
ويرد الطريقة الثانية أيضا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة : ” كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الأذخر ثم يصلي فيه وتحكه من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه ” فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين . ” فتح الباري ” ( 1 / 332 ، 333 ) .
والله أعلم.


