هل الأذان وحي أم اقتراح من رجل؟
السؤال
أعتقد أني قرأت عن أن الأذان للصلاة اقترحه شخص على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال أنه لا يريد أن يستخدم الأجراس التي يستخدمها النصارى أو مثلما يفعل اليهود للنداء لصلواتهم. فالسؤال هو: كيف يتفق ذلك الحدث مع الاعتقاد بأن كل ما يأمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا وحي يوحى؟ إنني لا أحاول أن أكون مجادلا ولكن سألت ذلك السؤال بقلب نقي أريد فيه المزيد من الفهم. وشكرًا
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الأذان يراد به في اللغة الإبلاغ وفي الشرع الإبلاغ والإعلام بدخول الوقت، وقد ورد عن بعضهم أن الأذان معروف عند الأنبياء منذ أن نزل آدم على الأرض وقال بعضهم هو معروف عن نبي الله إبراهيم حيث قال له ربه { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر } [الحج/26 ]. وهذا الكلام غريب غير صحيح. والصحيح: أن الأذان شرع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وليس في مكة وليس في الإسراء كما ورد بذلك بعض الأحاديث الضعيفة لا داعي لذكرها هنا.
* يقول ابن حجر:
ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ بسند فيه مجهول عن عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم { وأذن في الناس بالحج } [ الحج / 26 ] قال فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ” الفتح ” ( 2 / 280 ).
أما أذان آدم فهو أيضا ضعيف لما حكاه ابن حجر قال:
وما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل أن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة. ” الفتح ” ( 2 /280 ).
ثانيًا:
بهذا يتأكد أن الأذان شرع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله قال فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال وما تصنع به؟ قال قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال أفلا أدلك على خيرٍ من ذلك فقلت: بلى. قال تقول: الله أكبر…. (إلى نهاية الأذان )… قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فإنه أندى صوتًا منك قال فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد. رواه أحمد ( 16043 ) والترمذي ( 189 ) وأبو داود ( 499 ) وابن ماجه ( 706)، والحديث: صححه ابن خزيمة ( 1 / 189 ) وابن حبان ( 4 / 572 ) والألباني في ” تمام المنة ” ( ص 145 ).
ثالثًا:
مناقشة الحديث من وجوه:
- هي رؤيا منام رآها صحابي جليل وأقره عليها نبينا الكريم، فهي ليست اقتراحاً كما ذكرت، بل هي رؤيا، ونحيطك علماً أن الرؤيا جزء من سبعين جزءً من النبوة لما جاء في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة “. رواه أحمد ( 4449 ).
ورواه البخاري بلفظ ” الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة “. رواه البخاري ( 6474 ) ومسلم ( 4203 ) و ( 42005 ).
فالرؤيا هنا كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها رؤيا حق فهي من الله وليست اقتراحاً من شخص فهي نبوة بإقرار النبي لها أنها رؤيا حق ولو لم يقر لها الرسول لم تكن رؤيا حق وليست من النبوة.
- أن عمر رضي الله عنه رأى مثل ذلك ويقال فيه ما قيل في صاحبه بأنها وحي من الله ونزيد هنا:
- أكد عمر رؤيا صاحبه فاتفق في الرؤيا رجلان ومثل هذا لو رآه أي رجلين فلربما اطمئن القلب لصحته لأنه رؤيا والرؤيا من عالم الغيب فاتفاق اثنان بعالم الغيب قد يطمئن القلب إليه، وإن لم يقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف وقد أقره على ما أسلفنا وما سنذكر
ب ـأن عمر من الخلفاء الراشدين المهديين حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “… فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ “. رواه الترمذي ( 2600 ) وابن ماجه ( 43 ) وأحمد ( 16519 ).
ج ـ أما عمر خاصة دون الخلفاء الراشدين فهو ملهم محدث وقد وافق الوحي مرارًا كثيرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أنه كان يقول قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم “. رواه البخاري ( 3282 ) ومسلم ( 2398 ) وعنده: قال ابن وهب تفسير “محدَّثون”: ملهمون.
د ـ ثم لو لم تكن رؤيا وكانت اقتراحًا ـ كما ذكر في السؤال ـ فلا حرج في ذلك لأن الأذان كلام طيب أجمع عليه الصحابة أجمعون وعملوا به وعمل به من بعدهم حتى اليوم ولم ينكر أحد شرعية الأذان.
هـ ـ وإن لم يكف ما سبق فيكفي هذا الوجه الأخير وهو:
مما هو معلوم عند العامة فضلًا عن الخاصة أنهم يعرّفون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأنه ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من‘‘ قول أو فعل أو تقرير ‘‘.
فالقول والفعل واضحان وأما التقرير فهو أن يفعل أحد أمامه فعلاً فإن أقره فهو شرع لا لفعل ذلك الرجل ولكن لموافقة الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يسكت على الباطل ولا يقرّ أحدًا على باطل وضلال.
وقد لا يقره على ذلك وينهاه، ومن الأمور التي لم يقر الرسول صلى الله عليه وسلم عليها ما في هذا الحديث:
عن ابن عباس قال: ” بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، قال: مُرُوه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه “. رواه البخاري ( 6326 ).
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا إسرائيل على نذر الصوم، وأبطل عليه باقي ما نذره، فلم يقره عليه.
– هذا يرحمك الله بيان ما أشكل عليك ونسأل الله لنا ولك الفقه في الدين.
والله أعلم.


