من بنغلادش يسأل عن اختلاف صفات إقامة الصلاة؟
السؤال
أنا من بنجلاديش حيث نردد جمل إقامة الصلاة مرتين مرتين كما نفعل في الأذان. لكني وجدت أن إقامة الصلاة في أغلب البلدان العربية تكون بقول الجمل مرة واحدة دون ترديد. ما هو الدليل الصحيح الوارد في إقامة الصلاة بهذه الصفة؟
الجواب
الحمد لله
اتفقت المذاهب على أن ألفاظ الإقامة هي نفس ألفاظ الأذان في الجملة بزيادة: ” قد قامت الصلاة ” بعد ” حي على الفلاح “.
وكذلك اتفقوا على أن الترتيب بين ألفاظها هو نفس ترتيب ألفاظ الأذان، إلا أنهم اختلفوا في تكرار وإفراد ألفاظها على الوجه الآتي:
” الله أكبر “: تقال في بدء الإقامة مرتين عند المذاهب الثلاثة، وأربع مرات عند الحنفية.
” أشهد أن لا إله إلا الله “: تقال مرة واحدة عند المذاهب الثلاثة، ومرتين عند الحنفية.
” أشهد أن محمدًا رسول الله “: تقال مرة واحدة عند المذاهب الثلاثة، ومرتين عند الحنفية.
” حي على الصلاة “: تقال : مرة واحدة عند المذاهب الثلاثة، ومرتين عند الحنفية.
” حي على الفلاح “: تقال : مرة واحدة عند المذاهب الثلاثة، ومرتين عند الحنفية.
” قد قامت الصلاة “: تقال مرتين عند الحنفية الشافعية والحنابلة – وبعضهم يروي عن الحنفيَّة أنها تقال أربع مرات، والصواب أنها تقال مرتين -، ومرة واحدة عند المالكية على المشهور.
” الله أكبر “: تقال مرتين على المذاهب الأربعة.
” لا إله إلا الله “: تقال مرة واحدة على المذاهب الأربعة.
ويستخلص من ذلك أن المذاهب الثلاثة تختلف عن الحنفية بإفراد أكثر ألفاظ الإقامة كما تقدم، واحتجوا بما جاء عن أنس قال ” أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة “. رواه البخاري ( 581 ) ومسلم ( 378 ).
وبما روي عن ابن عمر قال ” إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة “. رواه أبو داود ( 510 ) والنسائي ( 628 ) بإسناد صحيح كما قال النووي في ” المجموع ” ( 3 / 104 ).
أما الحنفية: فيجعلون الإقامة مثل الأذان بزيادة ” قد قامت الصلاة ” مرتين بعد ” حي على الفلاح “.
واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد الأنصاري، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران، فقام على حائط فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى. رواه البيهقي ( 1 / 420 ).
والحديث: صححه ابن خزيمة ( 1 / 197 ) والشوكاني في ” نيل الأوطار ” ( 2 / 50 ).
ولما روي كذلك عن عبد الله بن زيد ” فاستقبل القبلة يعني الملَك، وقال: الله أكبر . الله أكبر . . إلى آخر الأذان، قال: ثم أمهل هنيهة، ثم قام فقال مثلها، ألا أنه قال: زاد بعد ما قال: حي على الفلاح: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. رواه أبو داود ( 506 ) وأحمد ( 21522 ).
والحديث: صححه ابن حزم وابن دقيق العيد، انظر ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 203 ).
وأما المالكية فيختلفون عن غيرهم في تثنية قد قامت الصلاة، فالمشهور عندهم أنها تقال مرة واحدة؛ لما روى أنس قال ” أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة “.
والحديث صحيح، لكن الاستدلال به ضعيف، لما سبق من الأحاديث الدالة على تثنيتهما، وفيه رد على الحنفية كذلك في تربيع الإقامة.
ولذلك بوَّب البخاري رحمه الله على حديث أنس المتفق عليه بقوله: ( باب الإقامة واحدة إلا قوله ” قد قامت الصلاة ” ). وقال بعده: قال إسماعيل – أحد رواة الحديث وهو ابن إبراهيم – فذكرت لأيوب – وهو السختياني التابعي المشهور – فقال: إلا الإقامة.
فيكون الأقرب للصواب جعل الإقامة أحد عشر كلمة وهو قول جمهور العلماء.
جعلها بعضهم إحدى عشر كلمة: ( الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ).
قال النووي:
مذهبنا المشهور أنها إحدى عشرة كلمة كما سبق وبه قال عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ويحيى بن يحيى وداود وابن المنذر قال البيهقي وممن قال بإفراد الإقامة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والحسن وابن سيرين ومكحول والزهري وعمر بن عبد العزيز ومشايخ جلة من التابعين سواهم. قال البغوي: هو قول أكثر العلماء. ” المجموع ” ( 3 / 104 ).
ويجوز أن تكون الإقامة سبع عشرة كلمة: التكبير أربعًا، والشهادتين أربعا، والحيعلتين أربعا، ولفظ الإقامة اثنتين، ولا إله إلا الله واحدة: ( الله أكبر، الله أكبر،الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله ،أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله )
عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم: علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة.
رواه الترمذي ( 192 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 502 )، والنسائي ( 630 )، وابن ماجه ( 709 ).
وقال ابن حجر:
وروى البيهقي في ” الخلافيات ” من طريق عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه عن جده: ” أنه أُري الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمته فقال: علِّمهن بلال، قال: فتقدمت فأمرني أن أقيم فأقمت “، وإسناده صحيح وله شاهد عند أبي داود. ” الدراية في تخريج أحاديث الهداية ” ( 1 / 115 ).
وعليه: فيجوز اختيار إحدى الصيغ الواردة في السنة وتجنب الضعيف والشاذ مما لم يثبت بإسناد صحيح، فكلٌّ صحيح، وفي كلٍّ خير، ولا يجوز أن تكون بين المسلمين معاداة لأجل هذه المسائل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكرهون شيئا من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات، ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته.
وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل المشرق، فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا.
وكذلك ما يقوله بعض الأئمة – ولا أحب تسميته – من كراهة بعضهم للترجيع، وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله، وأنه كرره ليحفظه، ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة، مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة، هؤلاء يختارون إقامته، ويكرهون أذانه، وهؤلاء يختارون أذانه، ويكرهون إقامته، فكلاهما قولان متقابلان.
والوسط: أنه لا يكره لا هذا ولا هذا، وإن كان أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ذلك بحضرته، فهذا كما يختار بعض القراءات والتشهدات ونحو ذلك.
ومن تمام السنة في مثل هذا: أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا في مكان، وهذا في مكان؛ لأن هجر ما وردت به السنة، وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، والمستحب واجبا ويفضي ذلك إلى التفرق والاختلاف، إذا فعل آخرون الوجه الآخر.
فيجب على المسلم أن يراعي القواعد الكلية، التي فيها الاعتصام بالسنة والجماعة، لا سيما في مثل صلاة الجماعة.
وأصح الناس طريقة في ذلك هم علماء الحديث، الذين عرفوا السنة واتبعوها، إذ من أئمة الفقه من اعتمد في ذلك على أحاديث ضعيفة، ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده، وجعل ذلك السنة دون ما خالفه، مع العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وسع في ذلك، وكل سنة.
وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده، إما بالكوفة، وإما بالشام، وإما بالمدينة، وبلال لم يؤذن بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلا، وإنما أذن بالمدينة سعد القرظي مؤذن أهل قباء … والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعي وأحمد، وهو مع ذلك يقول: إن تثنيتها سنة، والثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد يختارون تكرير لفظة الإقامة، دون مالك، والله أعلم. ” الفتاوى الكبرى ” ( 2 / 43 ، 44 ).
والله أعلم.


