هل قبلة المسلمين في صلاتهم دائما باتجاه الشرق؟!
السؤال
لماذا يتجه المسلمون إلى الشرق في الصلوات؟ أرجو الإجابة مع المصادر.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
يتجه المسلمون في صلاتهم إلى الكعبة المشرفة بأمر الله تعالى ، وهي قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام .
وفي هذا الأمر بالتوجه للكعبة في الصلاة – نفلها وفرضها – حِكَم بالغة .
سئل علماء اللجنة الدائمة :
ما الحكمة في اتخاذ المسلمين الكعبة الشريفة قبلتهم في الصلاة ؟ .
فأجابوا :
لا يخفى أن واجب المسلم : فعل ما استطاع من المأمورات ، والكف عن جميع ما نهي عنه من المحرمات ، أدرك حكمة الأمر أو النهي ، أو لم يدركها ، مع إيمانه بأن الله لا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة لهم ، ولا نهاهم إلا عما فيه مضرة عليهم ، وتشريعاته سبحانه جميعها لحكمة يعلمها سبحانه ، يظهر منها ما شاء ؛ ليزداد المؤمن بذلك إيماناً ، ويستأثر سبحانه بما شاء ؛ ليزداد المؤمن بتسليمه لأمر الله إيماناً كذلك .
والمسلمون اتخذوا الكعبة قبلةً امتثالاً لأمر الله سبحانه في قوله : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) البقرة / 144 .
ولعل من الحكمة في أمر الله لهم بذلك : أنها قِبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام ، كما جاء في سبب نزول الآية المذكورة من محبة نبينا عليه الصلاة والسلام في أن يؤمر بالتوجه في صلاته إلى الكعبة بدلاً من التوجه إلى بيت المقدس ، فأمره الله بذلك.
وقد يكون ذلك قطعاً لاحتجاج اليهود عليهم بموافقتهم في قِبلتهم .
وقد يكون لغير ذلك ، والعلم عند الله سبحانه .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 311 , 312 ) .
ثانياً:
وقد شرفها الله ، وأوجب تعظيمها ، وليس صحيحاً أن المسلمين يتجهون في صلاتهم إلى المشرق ، بل ربما كانت الكعبة لبعض المسلمين باتجاه الشرق ، وربما في جهة الغرب ، أو الشمال ، أو الجنوب ، ويختلف ذلك باختلاف موقع البلد الجغرافي .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
وجهة القِبْلة لمن كانوا شمالاً عن الكعبة : ما بين الشَّرق والغرب ، ولمن كانوا شرقاً عن الكعبة : ما بين الشَّمال والجنوب ، ولمن كانوا غرباً : ما بين الشَّمال والجنوب ، ولمن كانوا جنوباً عن الكعبة : ما بين الشرق والغرب ، فالجهات إذاً : أربع . ” الشرح الممتع ” ( 2 / 273 ) .
ثالثاً:
– وأما الذين قبلتهم المشرق باستمرار: فهم طوائف من النصارى! وليس المسلمين.
أ. قال تعالى : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) البقرة/ 145 .
قال الإمام الطبري – رحمه الله – :
وأما قوله : ( وما أنتَ بتابع قِبلتهم ) ، يقول : وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم ، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها ، وأن النصارى تستقبل المشرقَ ! فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم مع اختلاف وجوهها ؟ يقول : فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها ، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى ، وتدعُوك إليه من قبْلتهم واستقبالها . ” تفسير الطبري ” ( 3 / 185 ) .
ب. وقال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله – :
فأما محاريب الكفار : فلا يجوز أن يُستدل بها ؛ لأن قولهم لا يُستدل به ، فمحاربيهم : أوْلى ، إلا أن يُعلم قبلتهم ، كالنصارى ، يُعلم أن قبلتهم المشرق ، فإذا رأى محاربيهم في كنائسهم : علم أنها مستقبلة المشرق . ” المغني ” ( 1 / 492 ) .
ج. وقال الشيخ صالح بن الحسين الجعفري الهاشمي :
فضيحة أخرى: النصارى يصلُّون إلى مشرق الشمس ، ويتّخذونها قبْلتهم ، وقد كان المسيح عليه السلام طول مقامه يصلي إلى قبلة ” بيت المقدس ” قبلة موسى بن عمران ، والأنبياء ، وقال : ” إني لم آتِ لأنقض التوراة ، بل لأكملها ، وأن السماء والأرض ليزولان ، وكلمة واحدة من الناسوت لا تزول حتى يتم بأسره ” ، غير أن النصارى خالفوا المسيح ، والأنبياء ، واعتذروا في توجههم إلى المشرق : بأنه الجهة التي صلب إليها ربّهم ، وقتل فيها إلههم ، فيقال لهم :
يا حمقى ! لو كنتم أولي ألباب لَمَقَتُّم جهة الشرق ، وأبغضتموها ، وتَطَيَّرتم بها ، ورفضتموها في أمور العادة ، فضلاً عن العبادة ؛ وذلك لأنها الجهة التي لم يصلِّ إليها المسيح ، ولا شهدت لها الأناجيل ، ولا صَلَّى إليها نبي من الأنبياء البتة ، ثم إنها الجهة التي تشتت بها شملكم ، وبددت كلمتكم ، وفرقت جموعكم ، فتعظيمكم لهذه الجهة هي أشأم الجهات عليكم : أمر يقتضي السخرية بكم ، والإزراء عليكم ، وكان الأولى بكم أن لا تتحولوا عن جهة بيت المقدس لقول الإنجيل :
” إن امرأة سامرية من اليهود قالت للمسيح : يا سيد ، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل للأب فكيف تقولون أنتم إنه أورشليم ؟ ، فقال لها : ” أيتها المرأة ، أنتم تسجدون لما لا تعلمون ، ونحن نسجد لما نعلم ” ، فهذا المسيح يشهد أنه ليس لله قبلة يصلي إليها إلاّ بيت المقدس ، الذي هو أورشليم ، فأنتم أعرف ، وأعلم من المسيح بما يجب لله تعالى ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون على عقولكم ، لقد رميتم فيها بداهية .
” تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل ” ( 2 / 591 ، 592 ) .
د. وقال محقق الكتاب السابق الأستاذ محمود عبد الرحمن قدح – تعليقاً على ما سبق -:
إنّ الأقباط الأرثوذكس ، والأقباط الكاثوليك ، يتجهون في صلاتهم إلى المشرق لعدة أسباب ( في زعمهم ) منها : أن الشرق هو الجهة التي قال السيد المسيح إنه يظهر منها عند مجيئه الثاني ؛ ولأن المسيح نور العالم ، والشرق مطلع الأنوار ، ولقد كان لاتّجاههم إلى الشرق تأثير في نظام الكنائس حيث جعلت جميع الهياكل تقام في الجهة الشرقية من الكنيسة .
أما الأقباط الإنجيليون ( البروتستانت ) : فيتجهون في صلاتهم إلى أية جهة . ( ر : ” المجتمع القبطي في مصر في القرن التاسع عشر ” ( ص 622 ) ، رياض سوريال ) . انتهى.
وبهذا يتبين خطأ ما ظنه السائل من أن المسلمين يتجهون دائماً في صلاتهم إلى الشرق ، وتبين له أن هذا هو دين النصارى ، وقد سبق بيان ذلك .
والله أعلم.


