لماذا نبتدئ الصلاة بلفظ ” الله أكبر ” وليس ” العظيم أو الرحمن “؟.
السؤال
لماذا نبتدئ في بداية الصلاة باسم الجلالة ( الله اكبر ) وليس غيره من الأسماء كالعظيم أو الرحمن ….. الخ ( ما الحكمة من ذلك ) ولماذا نكررها في باقي أعمال الصلاة ؟
الجواب
الحمد لله
أولاً :
يتعيّن على المصلي إذا ابتدأ الصلاة أن يستفتحها بقول : ” الله أكبر ” ، ولا يجزئ غيرها من القول ، حتى ولو تلفظ بدل اسم الله : ” الله ” بسائر أسماء الله الحسنى كقوله : ” الرحمن أكبر ” أو ” العظيم أكبر ” أو الرحيم أكبر ” . ومثل ذلك لو استبدل صفة الله : ” أكبر ” بسائر صفات الله الحسنى كقوله :
” الله أجل ” أو ” أعظم ” أو ” أرحم ” أو ” أعز ” . ومثل ذلك لو تلفظ بصفة الله ” أكبر ” باشتقاق غير لفظ ” أكبر ” كقوله : الله الأكبر ” أو : ” الكبير ” أو ” ذو الكبر ” .فكل هذا لا يجزئ عن قولك : ” الله أكبر “. وهذا الذي قلناه هو مذهب عامة العلماء وجمهورهم خلافا لأبي حنيفة وبعض أصحابه .
قال ابن حجر :
….. تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم ، وهو قول الجمهور ، ووافقهم أبو يوسف وعند الحنفية تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم . ” فتح الباري ” ( 2 / 217 ) .
واستعرض المباركفوري أدلة الحنفية على قولهم ثم ردها فقال :
واعلم أن الإمام أبا حنيفة ومحمَّداً رحمهما الله قالا بجواز افتتاح الصلاة بكل ما دل على التعظيم الخالص غير المشوب بالدعاء ؛ لأن التكبير هو التعظيم قال الله تعالى : { وربك فكبِّر } [ المدثر / 3 ] أي : عظِّم، وقال تعالى : { وذكَر اسمَ ربه فصلَّى } [ الأعلى / 15 ]، وذِكر اسمه أعم من أن يكون باسم الله ، أو باسم الرحمن ، أو غير ذلك مما يدل على التعظيم، غاية ما في الباب أن يكون اللفظ المنقول سنة مؤكدة لا أنه الشرط دون غيره ، كذا ذكره الحنفية ، وأجابوا عن حديث الباب – يعني حديث ” تحريمها التكبير ” ، وسيأتي – بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ ، فليس معنى الحديث تحريمها لفظ التكبير بل معناه تحريمها ما يدل على التعظيم .
قلت : الحق في هذا الباب هو ما ذهب إليه الجمهور من أن تحريم التكبير ، ولا يكون الرجل داخلاً في الصلاة إلا بالتكبير كما عرفت ، وأما قوله تعالى : { وربك فكبِّر } فلا نسلم أن المراد بالتكبير في هذه الآية تكبير الافتتاح ، فإنها مكية نزلت قبل قصة الإسراء التي فرضت الصلاة فيها فكيف يكون المراد بالتكبير فيها تكبير الافتتاح ، وأما القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد ويصلي تطوعاً في جبل حراء وغيره قبل أن تفرض عليه الصلاة فلا بأس بأن يراد بالتكبير في هذه الآية تكبير الافتتاح ففيه أنه لا يتعين على هذا التقدير أيضا أن يراد بالتكبير تكبير الافتتاح كما لا يخفي على المتأمل ، ولو سلم أنه المتعين : فالمراد به خصوص لفظ التكبير لأحاديث الباب ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم افتتاح الصلاة بغير لفظ التكبير ألبتة ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .
وأما قوله تعالى : { وذكر اسم ربه فصلى } فلا نسلم فيه أيضا أن المراد بذكر اسم ربه تكبير الافتتاح ، لم لا يجوز أن يكون المراد بالذكر : تكبير التشريق ، وبالصلاة : صلاة العيد ، وبقوله { تزكى } زكاة الفطر كما رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وابن مردويه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر وغيرهما ؟وعلى هذا فلا تكون الآية مما نحن فيه.
وأما جوابهم عن حديث الباب بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ : ففيه أن الأصل في الأذكار والأدعية لا سيما أذكار الصلاة وأدعيتها هو التوقيف . ” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 36 – 37 ) .
ثانياً :
أما الحكمة من هذه اللفظة دون غيرها فقد بيَّنها بعض العلماء :
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
فإن قيل : فإذا كان الكتاب والسنة قد أمرا بذكره في الأيام المعلومات فهلا شرع التكبير فيها في أدبار الصلوات كما شرع في أيام العيد ؟ قيل :
كما شرع التكبير في ليلة الفطر إلى حين انقضاء العيد ولم يشرع عقب الصلاة ؛ لأن التكبير عقب الصلاة أوكد فاختص به العيد الكبير وأيام العيد خمسة هي أيام الاجتماع كما قال النبي يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وهى أيام أكل وشرب … والتكبير عند رمى الجمار كما قال النبي ” إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله ” فالذكر في هذه الآيات مطلق وإن كانت السنة قد جاءت بالتكبير في : عيد النحر في صلاته وخطبته ، ودبر صلواته ، ورمى جمراته ، والذكر في آية الصيام يعني بالتكبير على الهداية ، فهذا ذكر الله ، وتكبير له على الهداية ، وهناك على الرزق . وقد ثبت عن النبي أنه لما أشرف على خيبر قال : ” الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ” ، وكان يكبر على الأشراف مثل التكبير إذا ركب دابة ، وإذا علا نشزاً من الأرض ، وإذا صعد على الصفا والمروة ، وقال جابر : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا : كبَّرنا ، وإذا هبطنا : سبحنا ، فوضعت الصلاة على ذلك ” ، رواه أبو داود ( 2599 ) وقال الألباني صحيح دون قوله : فوضعت…) انظر صحيح أبي داود ( 2264 ) ، وجاء التكبير مكررا في الأذان في أوله ، وفي آخره ، والأذان : هو الذكر الرفيع ، وفى أثناء الصلاة : وهو حال الرفع والخفض ، والقيام إليها كما قال ” تحريمها التكبير ” …فالتكبير شرع أيضا لدفع العدو من شياطين الإنس والجن…
وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع ، أو لعظمة الفعل ، أو لقوة الحال ، أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة ؛ ليبين ( أن الله أكبر ) وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار ، فيكون الدين كله لله ، ويكون العباد له مكبِّرون ، فيحصل لهم مقصودان : مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله ، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه .
ولهذا شرع التكبير على الهداية ، والرزق ، والنصر ؛ لأن هذه الثلاث أكبر ما يطلبه العبد ، وهي جماع مصالحه ، والهدى أعظم من الرزق والنصر ؛ لأن الرزق والنصر قد لا ينتفع بهما إلا في الدنيا ، وأما الهدى فمنفعته في الآخرة قطعاً وهو المقصود بالرزق والنصر فخص بصريح التكبير لأنه أكبر نعمة الحق وذانك دونه ، فوسَّع الأمر فيهما بعموم ذكر اسم الله .
فجماع هذا : أن التكبير مشروع عند كل أمر كبير من مكان وزمان وحال ورجال ، فتبين أن الله أكبر لتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء ما سواه ، ويكون له الشرف على كل شرف ، قال تعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم : ” العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني واحداً منهما عذَّبته ” . ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 228 – 230 ) باختصار .
- وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
قوله ” الله أكبر ” أي : بهذا اللفظ ” الله أكبر ” ، فلا يجزئ غيرها ولو قام مقامها ، كما لو قال ” الله الأجل ، أو الله أجل ، أو الله أعظم ” أو ما شابه ذلك فإنه لا يجزئ ؛ لأن ألفاظ الذِّكر توقيفية ، يُتوقف فيها على ما ورد به النص ، ولا يجوز إبدالها بغيرها ؛ لأنها قد تحمل معنىً نظن أن غيرها يحمله وهو لا يحمله ، فإن قال ” الله الأكبر ” ؟ فقال بعض العلماء : إنه يجزئ ، وقال آخرون : بل لا يجزئ .
والصحيح : أنه لا يجزئ ؛ لأن قولك ” أكبر ” مع حذف المفضل عليه يدل على أكبرية مطلقة ، بخلاف ” الله الأكبر ” ، فإنك تقول : ولد هذا هو الأكبر ، فلا يدل على ما تدل عليه ” أكبر ” بالتنكير ، ثم إن هذا هو الذي ورد به النص ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” .فالواجب أن يقول : ” الله أكبر ” . ” الشرح الممتع ” ( 3 / 26 ، 27 ) .
والله أعلم.


