هل يرفع المصلِّي يديه في كل خفض ورفع في الصلاة؟
السؤال
سؤال عن الإمام الألباني رحمه الله:
لدي كتاب ” مختصر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ، قرأت أشياء غريبة كرفع اليدين مع التكبير عند السجود ، رأيت بعض الأدلة التي ذكرها وقال لي بعض الناس : إن بعض العلماء اتصلوا به وقالوا له بأنه أخطأ وأن هناك تفسيراً خاطئاً للحديث ، هل هذا صحيح ؟ وإذا كان صحيحاً فلماذا لم يصحح العلماء الذين كانوا في حلقته الكتاب في طبعة جديدة ؟ . جزاكم الله خيراً والسلام عليكم.
الجواب
الحمد لله
أولاً :
لا نعلم عن تخطئة العلماء للشيخ الألباني شيئاً ، وما ذكره الشيخ في كتابه ” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ليس شيئاً تفرد به ، بل جاء بما يسنده من أحاديث ، وقد نقل أسماء مَن قال به مِن أهل العلم .
والشيخ الألباني – رحمه الله – يثبت أن السنَّة الغالبة هي عدم الرفع إلا في مواضع أربعة : تكبيرة الإحرام ، وعند الركوع ، وبعد الرفع منه ، وعند القيام للثالثة ، وقد ثبتت عنده أحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم رفع في غيرها إما عامة – في كل خفض ورفع – ، وإما خاصة – عند السجود أو عند الجلوس منه – فقال بمقتضى هذه الأحاديث وجعل ذلك ” أحياناً ” من فعله صلى الله عليه وسلم لا من هديه المستمر ، وقد ذكر من قال بهذا من أهل العلم المتقدمين ، ولا حرج عليه في ذلك .
وأما من خالفه من أهل العلم فلهم أيضاً وجه ، وذلك بتقديمهم الروايات الصحيحة الثابتة على غيرها مما خالفها إما لضعف إسنادها وإما لشذوذ متنها وإما لوهم – ظنوه – في راوي الحديث ، ولا حرج عليهم في ذلك ، وكلهم تكلم بعلم ، وكلهم يبحث عن الصواب من هديه صلى الله عليه وسلم ، فمن أصاب فله أجران ، ومن أخطأ فله أجر واحد .
وكما هو ملاحظ فإن الاختلاف هو في شيء يسير وهو هل يشرع رفع اليدين أحياناً في كل خفض ورفع ، فالشيخ الألباني يقول : نعم يُشرع ، وغيره يقول : لا يشرع إلا في المواطن الأربعة .
ثانياً :
– المواطن الأربعة التي ترفع فيها اليدين في الصلاة :
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً ، وقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، وكان لا يفعل ذلك في السجود . رواه البخاري ( 702 ) ومسلم ( 390 ) .
ولفظ مسلم : ” ولا يرفعهما بين السجدتين ” ولفظ آخر : ” ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود ” .
قال الحافظ ابن حجر :
قوله : ” ولا يفعل ذلك في السجود ” أي : لا في الهوى إليه ، ولا في الرفع منه ، كما في رواية شعيب في الباب الذي بعده حيث قال ” حين يسجد ولا حين يرفع رأسه ” ، وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية والرابعة والتشهدين , ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضا لكن بدون تشهد لكونه غير واجب وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة , لكن قد روى يحيى القطان عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا هذا الحديث وفيه ” ولا يرفع بعد ذلك ” أخرجه الدارقطني في ” الغرائب ” بإسناد حسن ، وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة , وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع بعد بباب .” فتح الباري ” ( 2 / 221 ) .
– والموضع الرابع هو القيام من التشهد الأول إلى الثالثة – وسيأتي دليله – .
ثالثاً :
قول الشيخ الألباني وأدلته :
– رفع اليدين قبل الهوي إلى السجود.
قال الشيخ الألباني :
وكان – أي النبي صلى الله عليه وسلم – أحياناً – يرفع يديه إذا سجد ” .
رواه النسائي الدارقطني والمخلص في ” الفوائد ” ( 1 / 2 / 2 ) بسندين صحيحين .
وقد روي هذا الرفع عن عشرة من الصحابة ، وذهب إلى مشروعيته جماعة من السلف منهم : ابن عمر وابن عباس والحسن البصري وطاووس وابنه عبد الله ونافع مولى ابن عمر وسالم ابنه والقاسم بن محمد وعبد الله بن دينار وعطاء ، وقال عبد الرحمن بن مهدي ” هذا من السنَّة ” ، وعمل به إمام السنَّة أحمد بن حنبل ، وهو قولٌ عن مالك والشافعي .” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ( ص 140 ) .
– رفع اليدين من القيام من السجود .
قال الشيخ الألباني :
وكان – أي: النبي صلى الله عليه وسلم – يرفع يديه مع هذا التكبير – أحياناً -.
– رواه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح ، وبالرفع ههنا وعند كل تكبيرة قال أحمد ، ففي ” البدائع ” لابن القيم ( 4 / 89 ) :
ونقل عنه الأثرم ( الأصل : ابن الأثرم ) وقد سئل عن رفع اليدين ، فقال : في كل خفض ورفع ، قال الأثرم : ورأيتُ أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع ” .
وبه قال ابن المنذر وأبو علي من الشافعية ، وهو قولٌ عن مالك والشافعي كما في ” طرح التثريب ” ، وصحَّ الرفع هنا عن أنس وابن عمر ونافع وطاووس والحسن البصري وابن سيرين وأيوب السختياني كما في ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 1 / 106 ) بأسانيد صحيحة عنهم .” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ( ص 151 ) .
– رفع اليدين قبل السجدة الثانية .
قال الشيخ الألباني :
وكان – أي: النبي صلى الله عليه وسلم – يرفع يديه مع هذا التكبير – أحياناً -.
رواه أبو عوانة وأبو داود بسندين صحيحين ، وقد قال بهذا الرفع أحمد ، ومالك والشافعي في رواية عنهما .” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ( ص 154 ) .
رابعاً :
وللمخالفين رأيهم كذلك :
1- قال ابن حبان :
هذا خبر إسناده مقلوب ، متنه منكر ، ما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في كل خفض ورفع قط ، وأخبار الزهري عن سالم عن أبيه تصرح بضدِّه أنه لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين .” المجروحين ” ( 1 / 304 ) .
2- قال ابن القيم : ثم كان – أي : النبي صلى الله عليه وسلم – يكبِّر ويخرُّ ساجداً ، ولا يرفع يديه ، وقد روي عنه أنه كان ، يرفعهما أيضاً ، وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم – رحمه الله – وهو وهم ، فلا يصح ذلك عنه البتة ، والذي غرَّه أن الراوي غلط من قوله ” كان يكبِّر في كلِّ خفضٍ ورفع ” إلى قوله ” كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع ” ، وهو ثقة ، ولم يفطن لسبب غلط الراوي ، ووهمه فصححه . زاد المعاد ” ( 1 / 222 ، 223 ) .
3- قال الشيخ ابن عثيمين :
رفع اليدين عند السجود ليس بسنَّة ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما – وهو من أشدِّ الناس حرصاً على السنة ، وأضبط الناس لها – أنه ذكر ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا كبَّر للإحرام ، وإذا كبَّر للركوع ، وإذا رفع من الركوع ، وكان لا يفعل ذلك في السجود ، ولا إذا قام من السجود ” ، والرجل قد ضبط وفصَّل وبيَّن … .” الشرح الممتع ” ( 3 / 149 ، 150 ) .
وأخيراً :
الأقوال التي ذكرها الشيخ الألباني اعتمد فيها على أحاديث صحيحة ، وقد ذكر تحت كل رفع من قال به من أهل العلم ، ولا يعدو ما أنكره المخالفون من أهل العلم أن يكون تضعيفاً لحديث أو توهيماً لراوي دون التعرض لمجمل الأحاديث الأخرى .
والله أعلم.


