حكم ترديد المؤذن خلف الإمام في الصلاة

السؤال

ما حكم المؤذن الذي يردد وراء الإمام في الصلاة؟

الجواب

الحمد لله

الأصل في التبليغ أن يكون من الإمام لا من المؤذن، فإذا أراد الإمام أن يدخل في الصلاة كبر ورفع صوته بحيث يسمعه من يليه من الناس، وكبر الناس وراءه، وليس هذا من عمل المؤذن ولا هو مندوب فعله منه، بل لا يجوز له فعل ذلك.

عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: ” إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا “. رواه البخاري ( 656 ) ومسلم ( 412 ).

فهذا الحديث يبين لنا أن الأصل في الاقتداء أن يكون بالإمام لا بغيره.

هذا إذا كان الإمام صحيحًا لا تعترضه علة كمرض ونحوه، فإن حصل: جاز للمؤذن أن يبلغ عن الإمام.

عن الأسود قال: كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت:  لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر فصلى، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفَّة فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه.

قيل للأعمش: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر فقال برأسه: نعم -.

وزاد أبو معاوية: ”  جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما “.

رواه البخاري ( 633 ) ومسلم ( 418 ).

ففي الحديث جواز تبليغ الصلاة من وراء الإمام إذا كان الإمام مريضًا لا يقدر على الجهر المسمع لمن خلفه لضعف في صوته، أو كان جالسا لا يقدر على القيام ولا يراه الناس ليقتدوا به.

فمما سبق يتبين أن الحالات التالية هي التي تبيح للمأموم أن يبلغ عن الإمام:

  • ضعف صوت الإمام لمرض يعتريه ونحو ذلك.
  • جلوس الإمام بحيث لا يراه من خلفه لمرض يعتريه ونحو ذلك.
  • كثرة الصفوف وبعد الإمام عن المأموم بحيث لا يسمع صوته.

أما إذا لم تكن هناك حاجة من هذه الحاجات وكان الإمام مُسمعًا للمأمومين: فإن التبليغ هنا لا يجوز لعدم ورود الدليل على مثله وهو زيادة يجب ردها لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد “. رواه البخاري ( 2550 ) ومسلم ( 1718 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على عهد خلفائه، ولا بعد ذلك بزمان طويل، إلا مرتين: مرة ” صرع النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعدا، فبلغ أبو بكر عنه التكبير: كذا رواه مسلم في صحيحه، ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه أبو بكر، وهذا مشهور.

مع أن ظاهر مذهب الإمام أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان إماما للناس، فيكون تبليغ أبي بكر إماما للناس، وإن كان مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا قالت عائشة رضي الله عنها: ” كان الناس يأتمون بأبي بكر، وأبو بكر يأتم  بالنبي صلى الله عليه وسلم “، ولم يذكر أحد من العلماء تبليغا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هاتين المرتين: لمرضه.

والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا على جواز التبليغ لحاجة لم يكن عندهم سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا، وهذا يعلمه علما يقينا من له خبرة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا خلاف بين العلماء أن هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب، بل صرح كثير منهم أنه مكروه، ومنهم من قال: تبطل صلاة فاعله، وهذا موجود في مذهب مالك، وأحمد، وغيره.

وأما الحاجة لبعد المأموم، أو لضعف الإمام، وغير ذلك: فقد اختلفوا فيه في هذه، والمعروف عند أصحاب أحمد أنه جائز في هذا الحال، وهو أصح قولي أصحاب مالك، وبلغني أن أحمد توقف في ذلك، وحيث جاز ولم يبطل فيشترط أن لا يخل بشيء من واجبات الصلاة.

فأما إن كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته عند عامة العلماء كما دلت عليه السنة، وإن كان أيضا يسبق الإمام بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد، وهو الذي دلت عليه السنة، وأقوال الصحابة، وإن كان يخل بالذكر المفعول في الركوع والسجود والتسبيح ونحوه ففي بطلان الصلاة خلاف. وظاهر مذهب أحمد أنها تبطل.

ولا ريب أن التبليغ لغير حاجة بدعة، ومن اعتقده قربة مطلقة: فلا ريب أنه إما جاهل، وإما معاند، وإلا فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم، حتى في المختصرات، قالوا: ولا يجهر بشيء من التكبير، إلا أن يكون إماما، ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر على ذلك لمخالفته الإجماع، هذا أقل أحواله، والله أعلم.

” الفتاوى الكبرى ” ( 2 / 330 ، 331 ).

ومما يلحظ على المبلغين في كثير من المساجد أن أحدهم إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده يقول: ربنا ولك الحمد.

وهذا خطأ، فالصحيح أن المبلغ يبلغ قول الإمام كما هو، ولا يقول بالذي يجب على المأموم، فهو عند ضعف الإمام يحل مكانه ويقول مقاله، ولا يقول مقال المأموم فهو جعل ليبلغ قول الإمام لا ليبلغ المأموم قول المأموم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة