هل يذهب مع مصاب للمستشفى أم يتركه ويحضر صلاة الجمعة؟

السؤال

يتعلق سؤالي بصلاة الجمعة.

إذا وقع علينا (أنا وصديقي) حادث ونحن في طريقنا بالسيارة إلى المسجد لتأدية صلاة الجمعة، وأصيب صديقي ونُقل بالإسعاف إلى المستشفى بينما لم أصب أنا بأي مكروه.  فهل أذهب لصلاة الجمعة, أم أذهب مع صديقي إلى المستشفى؟ بعبارة أخرى, ما هي أهمية صلاة الجمعة؟ وهل يجوز أن يتخلف المسلم عن الصلاة إذا مر بنفس الوضع المذكور آنفا؟

الجواب

الحمد لله

أهمية صلاة الجمعة عظيمة في دين الله ولا يجوز التخلف عنها لمن وجبت عليه إلا لظرف قاهر.

حتى أنه ليسن التجهز لصلاة الجمعة والتبكير لها من أول النهار لما في هذا اليوم من الأجر العظيم والمنحة من الله تعالى كبيرة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه:  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر “. رواه البخاري ( 832 ) ومسلم ( 1403 ).

وصلاة الجمعة التي يقول الله تعالى فيها:{ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } [ الجمعة / 9 ].

وهذه الصلاة واجبة على كل قادر ومن تركها متهاوناً ثلاث جمع فإن الله تعالى يطبع على قلبه .

عن أبي الجعد الضمري – وكانت له صحبة – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه “. رواه النسائي ( 1352 ) وأبو داود ( 888 ) والترمذي ( 460 ) وابن ماجه ( 1115 ). صححه ابن السكن من هذا الوجه.

عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة حدثاه: أنهما سمعا رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يقول على أعواد منبره: ” لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين”.  رواه مسلم ( 1432 ).

والجمعة كما هو معروف فيها الخطبة التي يجب الإنصات لها ومن فعل ذلك فقد فاز  بالمغفرة.

عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام “. رواه مسلم ( 1418 ).

فهذه الفضائل مجتمعة في هذا اليوم العظيم وهذه الصلاة العظيمة .

ولكن يجوز للمريض تركها ليقضي من حاجته ما لا بد له منه في دنياه وما حدث لك مع صاحبك، فيه تفصيل:

إن كان صاحبك يحتاج إليك من أجل إسعافه أو نقله إلى المستشفى وكان في وجودك معه تعجيل لشفائه أو إنقاذ له من الموت فيجب التأخر عن الجمعة لهذا ولك الأجر فإن الله تعالى يقول: { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } [ المائدة / 32 ].

والدليل على ذلك حديث أبي جعدة السابق فإنه جاء في إحدى رواياته عن جابر: ” من غير ضرورة “، والرواية عند ابن ماجه.

عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه  “. ابن ماجة ( 1126 ).

فمفهوم الحديث أنه يجوز ترك الجمعة للضرورة.

* قال ابن قدامة: 

ويعذر في تركهما – يعني صلاة الجمعة وصلاة الجماعة -المريض في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض ….. ويعذر في تركهما الخائف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لعذر خوف أو مرض”.

والخوف في ثلاثة أنواع: خوف على النفس وخوف على المال وخوف على الأهل.

فالأول: أن يخاف على نفسه سلطانا يأخذه أو عدوا أو لصا أو سبعا أو دابة أو سيلا أو نحو ذلك ……. ويعذر في تركهما بالمطر الذي يبل الثياب والوحل الذي يتأذى به في نفسه وثيابه، قال عبد الله بن الحارث قال: عبد الله بن عباس لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة وقل صلوا في بيوتكم قال: فكأن الناس استنكروا ذلك، قال ابن عباس: أتعجبون من ذلك؟ قد فعل ذلك من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. متفق عليه. ” المغني ” ( 1 / 364 -465 ).

والحديث الذي ذكره ابن قدامة ورواه الشيخان يدل على أن الجمعة تترك للأعذار ومنها المطر وهذا يدل على أن الأعذار تبيح ترك الجمعة.

وإليك الحديث:

عن عبدالله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين قال: قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة قل صلوا في بيوتكم فكأن الناس استنكروا قال فعله من هو خير مني إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والدحض “. رواه البخاري ( 859 ) ومسلم ( 699 ).

هذه الأعذار التي ذكرها صاحب المغني تبين أن صاحب الحاجة والعذر يحل له ترك الجمعة.

* وقال ابن حجر:

على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة ولو قلنا إنها فرض وكذا الجمعة  وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها ولا بعد في أن تلحق بذلك الجمعة  فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء. ” فتح الباري ” ( 2 / 130 ).

 * وقال ابن عبد البر: 

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض أو مسافر “، وأما قوله في الحديث ” من غير عذر ” فالعذر يتسع القول فيه وجملته: كل مانع حائل بينه وبين الجمعة مما يتأذى به أو يخاف عدوانه أو يبطل بذلك فرضا لا بدل منه فمن ذلك السلطان الجائر يظلم والمطر الوابل المتصل والمرض الحابس وما كان مثل ذلك ومن العذر أيضا أن تكون عنده جنازة لا يقوم بها غيره وإن تركها ضاعت وفسدت وقد روينا هذا في الجنازة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن أبي كثير والأوزاعي والليث بن سعد.

وعن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن رجل كان مع الإمام وهو يخطب في الجمعة فبلغه أن أباه أخذه الموت فرخص له أن يذهب إليه ويترك الإمام في الخطبة.

قال أبو عمر: هذا عندي على أنه لم يكن لأبيه أحد غيره يقوم لمن حضره الموت بما يحتاج الميت إليه من حضوره للتغميض والتلقين وسائر ما يحتاج إليه؛ لأن تركه في مثل تلك الحال عقوق والعقوق من الكبائر، وقد تنوب له عن الجمعة الظهر، ولم يأت الوعيد في ترك الجمعة إلا من غير عذر ثلاثا فكيف بواحدة من عذر بيِّن فقول عطاء صحيح ،والله أعلم. ” التمهيد ” ( 16 / 243-244 ).

وأما إن كان صاحبك في حالته تلك لا يحتاج إليك وليس في تركك له مشقة عليه ولا حرج يفوت خدمة تقدمها له وأنه لا يحتاج إلى تطبيبك وإسعافك ، وإنما يقوم الأطباء على علاجه في المستشفى فما يحل لك المكث معه لتفوتك الصلاة ، بل يجب المبادرة للصلاة لما ذكرنا من أهميتها سابقا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة