حكم استخدام المواد المستخلصة من الحيوانات في المنتجات غير المأكولة مثل الدهون والصابون.

السؤال

ورد في الإجابة على سؤال في الموقع وجود خلاف بين العلماء حول استخدام المواد المستخلصة من الحيوانات في المنتجات غير المأكولة مثل الدهون والصابون، وما إذا كان يمكننا – نحن المسلمين- استخدام مثل تلك المنتجات.

– أرجو منك توضيح هذه النقطة بالإضافة إلى شرح لمعنى الآية والحديثين أدناه:

قال تعالى: ” قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتته أو دما مسفوحا..الآية” الأنعام 145.

والحديث: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سنة الفتح وهو في مكة:  إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.  قيل: يا رسول الله، أرأيت دهون الميتة فإنها تستخدم في طلاء المراكب وصقل الجلود، والناس يستخدمونها في إضاءة المصابيح، فقال: لا، إنها محرمة.  ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  عسى الله القوي العظيم أن يهلك اليهود؛ عندما حرم الله استخدام شحوم الميتة، أذابوها ثم باعوها واستغلوا ثمنها.  [الترجمة الإنجليزية لصحيح مسلم المجلد 3 الحديث رقم 3840]

كانت أمة ميمونة المعتقة قد تصدق عليها بشاة لكنها ماتت، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب جثتها.  ثم قال:  لماذا لم تأخذوا جلدها؟  يمكنكم استخدامه، بعد الدبغ.  فقال الصحابة: إنها ميته.  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يحرم عليكم أكلها.  [الترجمة الإنكليزية لصحيح مسلم المجلد 1 الحديث رقم 704].

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أما حكم استعمال الشحوم والدهون من الحيوانات المحرمة في صناعة الصابون وغيرها فقد ذكرنا في السؤال المشار إليه أنه فيه خلاف وأنه الأرجح تحريمه والمنع من استعماله.

وسيأتي زيادة بيان – إن شاء الله – في النقاط التالية.

ثانيًا:

أما قوله تعالى { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الأنعام / 145 ]: فمعناه كما يأتي:

– { قل لا أجد فيما أوحي إلي شيئًا محرَّمًا }: يقول تعالى آمرًا عبدَه ورسولَه محمَّداً صلَّى الله عليه وسلم: قل يا محمَّد لم يحرِّم ربي من المطعومات غير هذه الأشياء، وما عداه فحلال.

– { على طاعمٍ يطعمه }  أي: آكل يأكله.

– { إلا أن يكون ميتة } وهي مات حتف أنفه كالموقوذة والمتردية والنطيحة، أو ما ذُبح بغير تذكية شرعيَّة.

– { أو دمًا مسفوحًا } أي: دمًا سائلًا، بخلاف غيره كالكبد والطحال، وبخلاف الدم الذي في يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح.

– { أو لحم خنزير } وهو الحيوان المعروف.

– { فإنه رجس } أي: خبث نجس مضر.

– { أو فسقًا أُهلَّ لغير الله به } أي: ذُبح على اسم غيره.

– { فمن اضطر } إلى شيء مما ذكر فأكله { غير باغ } أي: مريد لأكلها من غير اضطرار { ولا عاد }.

– { فإن ربك غفور رحيم } غفور له ما أكل، رحيم به.

هذا، مع التنبيه على وجود محرَّمات أخرى غير ما ذُكر في هذه الآية، وقد جاء تحريمها متأخرًا عنها وذلك مثل تحريم ” كل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلب من الطير “، وتحريم ” لحوم الحمر الأهليَّة “.

ثالثًا:

حديث جابر رواه البخاري ( 2121 ) ومسلم ( 1581 ).

ولفظه: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه. وأما معناه:

فواضح أنه سيق لبيان حكم بيع الخمر – وهي ما خامر العقل وغطاه وتشمل كل أنواعه – والميتة والخنزير – وسبق بيانهما قبل قليل – والأصنام – وهي ما يُصنع من خشب أو نحاس أو ذهب أو غيرها على صورة آدمي أو حيوان -.

ثم أراد الصحابة – رضي الله عنهم – استثناء بيع شحوم الميتة من التحريم لما فيها من المنافع، وهي: استعمالها في طلي السفن حفاظًا على خشبها من الماء، واستعمالها في دهن الجلود من أجل ترطيبها، واستعمالها في إضاءة المصابيح.

فلم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأشياء موجبة لاستثناء التحريم، فقال ” لا، هو حرام “.

ثمَّ بيَّن فعل اليهود، وهو أنهم أذابوا الشحوم التي حرَّمها الله عليهم وحوَّلوها إلى مواد أخرى كالشمع، ثم باعوها وأكلوا ثمنها.

وقد اختلف العلماء على ماذا يعود الضمير ” هو ” في قوله صلى الله عليه وسلم ” لا، هو حرام “، فذهب بعضهم إلى أن الحرام هو الانتفاع، وذهب آخرون إلى أن الحرام هو البيع، وهذا هو الصواب.

قال الصنعاني:

والضمير في قوله ” هو حرام ” يحتمل أنه للبيع، أي: بيع الشحوم حرام، وهذا هو الأظهر؛ لأن الكلام مسوق له؛ ولأنه قد أخرج الحديث أحمد وفيه ” فما ترى في بيع شحوم الميتة ” الحديث، ويحتمل أنه للانتفاع المدلول عليه بقوله ” فإنها تطلى بها السفن ” إلى آخره، وحمله الأكثر عليه، فقالوا: لا ينتفع من الميتة بشيء إلا بجلدها إذا دبغ لدليله الذي مضى في أول الكتاب فهو يخص هذا العموم وهو مبني على عود الضمير إلى الانتفاع.

ومن قال: الضمير يعود إلى البيع استدل بالإجماع على جواز إطعام الميتة الكلاب ولو كانت كلاب الصيد لمن ينتفع بها، وقد عرفت أن الأقرب عود الضمير إلى البيع فيجوز الانتفاغ بالنجس مطلقًا ويحرم بيعه لما عرفت، وقد يزيده قوة قوله في ذم اليهود إنهم جملوا الشحم ثم باعوه وأكلوا ثمنه فإنه ظاهر في توجه النهي إلى البيع الذي ترتب عليه أكل الثمن، وإذا كان التحريم للبيع جاز الانتفاع بشحوم الميتة والأدهان المتنجسة في كل شيء غير أكل الآدمي ودهن بدنه فيحرمان كحرمة أكل الميتة والترطب بالنجاسة، وجاز إطعام شحوم الميتة الكلاب وإطعام العسل المتنجس النحل وإطعامه الدواب، وجوز جميع ذلك مذهب الشافعي ونقله القاضي عياض عن مالك وأكثر أصحابه وأبى حنيفة وأصحابه والليث .…

وفي الحديث: دليل على أنه إذا حرُم بيعُ شيءٍ حرُم ثمنُه، وأن كل حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم فهي باطلة. ” سبل السلام ” ( 3 / 6 ).

رابعًا:

وأما حديث ميمونة: فرواه البخاري ( 1421 ) ومسلم ( 363 ) – واللفظ له لأنه ليس في البخاري لفظ ” الدباغ ” -.

ولفظه:  

عن ابن عباس قال: تُصدِّق على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ، فماتت، فمرَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرُم أكلُها.

وأما معناه:

فقد كان لميمونة مولاة عندها شاة تصدَّق بها بعضهم عليها، فلما ماتت ظنوا أنه لا يجوز الانتفاع بها كليًّا، فرموْها، فمرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه، فلما رآها قال لهم لمَ لا تأخذوا جلد هذه الميتة فتنتفعوا بها؟ فقالوا له: إنها ميتة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن الحرمة فيها متوجه للحمها لا لغيره كالشعر والجلد، لكن عليكم دباغة الجلد قبل استعماله.

وقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في حكم الجلد عمومًا على أقوال كثيرة، والأصح – والله أعلم – أنه لا ينتفع إلا بجلد مأكول اللحم, فإن ذُبحت ذبحًا شرعيًّا فلا حاجة لدباغته، وإن كانت ميتة فلا يجوز استعماله إلا بعد دباغه.

قال شيخ الإسلام – بعد أنْ ذكر أقوال العلماء -:

ومأخذ التردُّد أنَّ الدباغ هل هو كالحياة فيطهِّر ما كان طاهرًا في الحياة؟ أو هو كالذكاة؛ فيطهِّر ما طُهِّر بالذكاة؟ والثانـي: أرجح، ودليل ذلك ” نَهْيُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ ” كما رُوي عن أسامة بن عمير الذهلي: ” أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ ” رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، زاد الترمذي ” أنْ تُفْتَرَشَ “، وفي هذا القول جمعٌ بَيْن الأحاديث كلها.  ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 95 – 96 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة