ما هي الطرق الشرعية لاستخراج الركاز؟
السؤال
ما هي الطرق الشرعية لاستخراج كنوز الأرض – الركاز -؟
الجواب
الحمد لله
أولاً :
الرِّكاز هو ما وجد مدفوناً في الأرض من مال الجاهلية ، وأهل الجاهلية هم من كانوا موجودين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على أي دين كانوا ، وقد أوجب الشرع فيه عند استخراجه الخُمس ، زكاةً عند بعض العلماء وفيئاً عند آخرين ، والباقي لمن استخرجه إن كان استخراجه من أرضٍ يملكها ، أو من خربة أو من أرض مشتركة كالشارع وغيره .
قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله – :
قال الخرقي : ” وما كان من الركاز – وهو دفن الجاهلية – قلَّ أو كثر : ففيه الخمس لأهل الصدقات ، وباقيه له ” .
الدِّفن بكسر الدال المدفون ، والركاز : المدفون في الأرض ، واشتقاقه من ركز يركز مثل غرز يغرز إذا خفي ، يقال ” ركز الرمح ” إذا غرز أسفله في الأرض ، ومنه الركز وهو الصوت الخفي ، قال الله تعالى : ( أو تسمع لهم ركزاً ) .
والأصل في صدقة الركاز ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( العَجْمَاءُ جُبَار وفي الرِّكازِ الخُمْس ) متفق عليه .
وهو أيضاً مجمع عليه ، قال ابن المنذر : لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث إلا الحسن فإنه فرَّق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب ، فقال فيما يوجد في أرض الحرب : الخمس ، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة .
” المغني ” ( 2 / 610 ) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
الرِّكاز : فِعال بمعنى مفعول أي : مركوز ، أي : المدفون ، ولكن ليس كل مدفون يكون ركازاً ، بل كل ما كان من دفن الجاهلية ، أي : من مدفون الجاهلية .
ومعنى الجاهلية : ما قبل الإسلام ، وذلك بأن نجد في الأرض كنزاً مدفوناً ، فإذا استخرجناه ووجدنا علامات الجاهلية فيه ، مثل أن يكون نقوداً قد علم أنها قبل الإسلام ، أو يكون عليها تاريخ قبل الإسلام ، أو ما أشبه ذلك .
وقوله : ” ففيه الخمس في قليله وكثيره ” فلا يشترط فيه النصاب ؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم : ” وفي الركاز الخمس ” .
ثم اختلف العلماء في الخمس ، هل هو زكاة أو فيء ؟ بناء على اختلافهم في ” أل ” في قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث : ” الخمس ” هل هي لبيان الحقيقة أو هي للعهد ؟ .
فقال بعض العلماء : إنه زكاة فتكون ” أل ” لبيان الحقيقة .
ويترتب على هذا القول ما يأتي :
1- أن تكون زكاة الركاز أعلى ما يجب في الأموال الزكوية ؛ لأن نصف العشر ، والعشر ، وربع العشر ، وشاة من أربعين : أقل من الخمس .
2- أنه لا يشترط فيه النصاب ، فتجب في قليله وكثيره .
3- أنه لا يشترط أن يكون من مال معيَّن ، فيجب فيه الخمس سواء كان من الذهب أو الفضة أو المعادن الأخرى ، بخلاف زكاة غيره .
والمذهب عند أصحابنا – يرحمهم الله – : أنه فيء ، فتكون ” أل ” في الخُمس للعهد الذهني ، وليست لبيان الحقيقة ، أي : الخمس المعهود في الإسلام ، وهو خُمس خمس الغنيمة الذي يكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة ، وهذا هو الراجح؛ لأن جعله زكاة يخالف المعهود في باب الزكاة، كما سبق بيانه في الأوجه الثلاثة المتقدمة. . ” الشرح الممتع ” ( 6 / 88 ، 89 ) .
ثانياً :
ويسلك كثيرٌ من الناس طرُقاً غير شرعيَّة لاستخراج هذه الكنوز ، فبعضهم يستعين بالسحرة والكهنة والمشعوذين ، وآخرون يعتمدون على اتصالهم بالجن ، وكل هذه الطرق غير شرعية ، وهي توجب استحقاق الإثم العظيم على فاعله .
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
هناك من يحضِّر الجن بطلاسم يقولها ، ويجعلهم يخرجون له كنوزاً مدفونة في أرض القرية منذ زمن بعيد ، فما حكم هذا العمل ؟ .
فأجاب :
هذا العمل ليس بجائز ؛ فإن هذه الطلاسم التي يحضِّرون بها الجن ويستخدمونهم بها لا تخلو من شرك – في الغالب – ، والشرك أمره خطير قال الله تعالى : ( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ، والذي يذهب إليهم يغريهم ويغرهم ، يغريهم بأنفسهم وأنهم على حق ، ويغرهم بما يعطيهم من الأموال .
فالواجب مقاطعة هؤلاء ، وأن يدع الإنسان الذهاب إليهم ، وأن يحذِّر إخوانه المسلمين من الذهاب إليهم ، والغالب في أمثال هؤلاء أنهم يحتالون على الناس ويبتزون أموالهم بغير حق ويقولون القول تخرصا ثم إن وافق القدر أخذوا ينشرونه بين الناس ويقولون نحن قلنا وصار كذا ، ونحن قلنا وصار كذا ، وإن لم يوافق ادعوا دعاوى باطلة أنها هي التي منعت هذا الشيء .
وإني أوجه النصيحة إلى من ابتلي بهذا الأمر وأقول لهم : احذروا أن تمتطوا الكذب على الناس والشرك بالله عز وجل وأخذ أموال الناس بالباطل ، فإن أمد الدنيا قريب ، والحساب يوم القيامة عسير ، وعليكم أن تتوبوا إلى الله تعالى من هذا العمل ، وأن تصححوا أعمالكم ، وتطيبوا أموالكم ، والله الموفق .
” فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 116 ) .
وعليه : فإذا تجنَّب المسلم الطرق غير الشرعية من الطلاسم والاستعانة بالجن والسحرة والكهنة فإنه في مأمن من الإثم .
ولا يستطيع المسلم معرفة مكان كنز الجاهلية إلا بالظن والخرص ، ولا يمكن أن توجد دلائل وعلامات على وجوده في بقعة معينة ، إلا أن يكون علِم به أحدٌ ووضع له علامات تدل على مكانه .
ويبتز كثير من الكهنة أموال الناس بالباطل بادعاء وجود كنز في بقعة بعينها ، وليسوا صادقين ؛ لأن دفن الجاهلية يعرف اتفاقاً لا قصداً .
قال ابن خلدون – رحمه الله – :
واعلم أن الكنوز وإن كانت توجد لكنها في حكم النادر ، وعلى وجه الاتفاق لا على وجه القصد إليها ، وليس ذلك بأمر تعم به البلوى حتى يدَّخر الناس أموالهم تحت الأرض ويختمون عليها بالطلاسم ؛ لا في القديم ولا في الحديث ، والركاز الذي ورد في الحديث وفرضه الفقهاء – وهو دفين الجاهلية – إنما يوجد بالعثور والاتفاق ، لا بالقصد والطلب .
وأيضاً : من اختزن ماله وختم عليه بالأعمال السحرية فقد بالغ في إخفائه ؛ فكيف ينصب عليه الأدلة والإشارات لمن يبتغيه ، ويكتب ذلك في الصحائف حتى يطلع على ذخيرته أهل الأمصار والآفاق ، هذا يناقض قصد الإخفاء.
وأيضاً : فأفعال العقلاء لا بد وأن تكون لغرض مقصود في الانتفاع ، ومن اختزن المال فإنه يختزنه لولده أو قريبه أومن يؤثره ، وأما أن يقصد إخفاءه بالكلية عن كل أحد وإنما هو للبلاء والهلاك أو لمن لا يعرفه بالكلية ممن سيأتي من الأمم : فهذا ليس من مقاصد العقلاء بوجه . ” مقدمة ابن خلدون ” ( ص 387 ، 388 ) .
ومن وجدَ كنزاً وليس عليه علامات تدل أنه من دفن الجاهلية : فهو في حكم اللقطة ، ينتظر عليه سنةً كاملة ، ثم يحل له تملكه بعدها إلا أن يُعرف صاحبه قطعاً فيجب دفعه له ، أو تعويضه بقيمته في وقت التصرف به .
ولا يجوز البحث عن الكنوز في أراضٍ مملوكة لأحدٍ ؛ لأن هذا من التصرف في مال غيره بغير حق ، ومن وجد مالاً في أرضِ غيره فيجب أن يدفعه لصاحب الأرض .
وينبغي للعقلاء أن لا يضيعوا أعمارهم في البحث عن مثل هذه الكنوز ؛ فإنها مضيعة للأوقات والأعمار والأموال ، مع ما يترتب عليها من عقوبات من الدولة ، وقد يعيش المرء دهره كله ولا يجد قطعة نقدية واحدة ، وقد يشتغل المرء في الزراعة فيحرث أرضه ويوفقه الله لوجود ما يغتني به عمره كله .
قال ابن خلدون – رحمه الله – :
والذي يحمل على ذلك في الغالب زيادة على ضعف العقل : إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من التجارة والفلح والصناعة ؛ فيطلبونه بالوجوه المنحرفة ، وعلى غير المجرى الطبيعي من هذا وأمثاله ، عجزاً عن السعي في المكاسب ، وركوناً إلى تناول الرّزق من غير تعب ولا نصب في تحصيله واكتسابه ، ولا يعلمون أنَّهم يوقعون أنفسهم بابتغاء ذلك من غير وجهه في نصبٍ ومتاعبَ وجُهدٍ شديد أشدَّ من الأول ، ويعرِّضون أنفسهم مع ذلك لمنال العقوبات ، وربما يحمل على ذلك في الأكثر زيادة الترف وعوائده وخروجها عن حدّ النهاية حتى تُقتصر عنها وجوه الكسب ومذاهبه ولا تفي بمطالبها ، فإذا عجز عن الكسب بالمجرى الطبيعي لم يجد وليجةً في نفسه إلا التمني لوجود المال العظيم دفعةً من غير كلفة ليفي ذلك له بالعوائد التي حصل في أسرها ؛ فيحرص على ابتغاء ذلك ويسعى فيه جهده ، ولهذا فأكثر من تراهم يحرصون على ذلك هم المترفون من أهل الدولة ومن سكان الأمصار الكثيرة التعرف المتسعة الأحوال مثل مصر وما في معناها ، فنجد الكثير منهم مغرمين بابتغاء ذلك وتحصيله ، ومساءلة الركبان عن شواذه . ” مقدمة ابن خلدون ” ( ص 385 ، 386 ) .
– وقد كتب ابن خلدون فصلاً نفيساً في ” المقدمة ” من ( ص 384 – 389 ) فليُنظر.
والله أعلم.


