هل تجب الزكاة على حليّ المرأة والأرض التي ينوي بناءها ؟
هل هناك زكاة على ذهب المرأة التي تلبسه وتستخدمه حتى لو لم تستخدمه لمدة أكثر من سنتين ما دام لا تقصد التجارة بها ؟ وكذلك على الأرض الذي يملكها شخص ويتركها سنوات طوال في انتظار أن يرزقه الله حتى يستطيع أن يبنيها ويسكن بها ويؤجرها وإن لم يستطع باعها بعد خمس سنوات من امتلاكه لها هل يجب أن يخرج زكاة الخمس سنوات ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
اختلف أهل العلم في وجوب الزكاة على الذهب المستعمل للزينة إذا بلغ النصاب – والنصاب : 85 جرام عيار 24 ، أو ما يعادله من غيره – ، فذهب الجمهور إلى عدم وجوب الزكاة فيه ، وخالف الحنفية فقالوا بوجوبه ، وهو الراجح من القولين ، ويدل عليه الكتاب والسنَّة ، وهو ما يفتي به علماء اللجنة الدائمة والشيخ ابن عثيمين رحمه الله .
وقد سبق في جواب السؤال ( 19901 ) بيان فتوى اللجنة الدائمة في زكاة الحلي المعد للاستعمال ، ونذكر هنا كلام الشيخ ابن عثيمين لما فيه من الفوائد .
سئل فضيلة الشيخ – رحمه الله تعالى – :
بعض العلماء يقولون : إن الذهب الذي يستعمل للبس عليه زكاة ، وبعضهم يقول عكس ذلك ، فهل على الذهب المعد للبس زكاة ؟ .
فأجاب فضيلته بقوله :
ما ذكرته أيها الأخ صحيح ، فقد اختلف أهل العلم في الذهب المعد للبس أو العارية دون الاستغلال بالتأجير أو الاكتساب بالربح : فمنهم من يرى أن الذهب تجب فيه الزكاة ولو كان معدًّا للبس ، أو الاستعمال ، أو العارية .
ومنهم من يرى أنه لا تجب فيه الزكاة .
والواجب في مثل هذه الحال الرجوع إلى ما دل عليه الكتاب والسنة ؛ لقوله تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَْخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ، وإذا رددنا الأمر إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم وجدنا الصواب قول من يقول بوجوب الزكاة في الحلي من الذهب والفضة بشرط أن يبلغ النصاب ، وهو عشرون مثقالاً من الذهب ، ومائة وأربعون مثقالاً من الفضة ، ووزن العشرين مثقالاً من الذهب أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه ، فإذا كان عند المرأة ما يبلغ مجموعه هذا الوزن وجبت فيه الزكاة ، وإن كان دون ذلك فلا زكاة عليها فيه .
ويدل لهذا القول الصحيح : عموم قوله تعالى : { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وكنزها منع زكاتها ولو كانت على ظهر الأرض ، أما ما أديت زكاته فليس بكنز ولو كان مدفوناً بالأرض .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار ، وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه ، وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ” ، فقوله : ” لا يؤدي منها حقها ” عام في جميع الحقوق ، ومنها الزكاة .
بل إنه ثبت في صحيح مسلم رواية أخرى : ” لا يؤدي زكاته ” ، وعلى هذا فيكون العموم شاملاً لهذه المسألة ، فإن من عندها حلي من الذهب فهي صاحبة ذهب بلا شك ، وكذلك من عندها حلي من الفضة فهي صاحبة فضة بلا شك .
ثم إن هناك أحاديث خاصة في الحلي ، منها : ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ، فقال : ” أتؤدين زكاة هذا ؟ ” قالت : لا ، قال : ” أيسرك أن يسوِّرك الله بهما سوارين من نار ؟ ” فخلعتْهما وألقتْهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : ” هما لله ورسوله ” ، قال ابن حجر في ” بلوغ المرام ” : إن إسناده قوي ، وكذلك صححه شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، وله شاهد من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما .
وعلى هذا فيكون الصواب هو قول من يرى الزكاة في الحلي ، ولو كان معدًّا للاستعمال أو العارية .
أما الذين قالوا : لا زكاة فيه فإنهم احتجوا بحديث لا يصح وهو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” ليس في الحلي زكاة ” ، وهذا الحديث لا يقولون به على سبيل الإطلاق ، ولهذا تراهم إذا كان الحلي للنفقة أو الإجارة تراهم يوجبون فيه الزكاة ، ولا يأخذون بعموم هذا الحديث ، هذا لو صح ، لكنه لا يصح .
ويستدلون أيضاً بقياس الحلي على الثياب وما يحتاجه الإنسان لنفسه من سيارة ونحوها ، ولكن هذا القياس ليس بصحيح ؛ وذلك لأن الذهب والفضة الأصل فيهما الزكاة ، فمن ادعى خروج شيء منهما عن الزكاة فعليه الدليل .
أما الثياب والسيارة وما إلى ذلك مما يعده الإنسان لحاجته فالأصل عدم الزكاة فيها ، ولهذا لا تجب فيها الزكاة إلا إذا أعدت للتجارة ، حتى لو أعدت للتأجير فإنه لا زكاة فيها ، أي لو كان عنده ثياب يؤجرها فلا زكاة فيها ، وكذلك لو كان عنده سيارة يعدها للإجارة فلا زكاة عليه في هذه السيارة .
مع أن القائلين بعدم زكاة الحلي يقولون : إذا كان عنده حلي يعده للإجارة فالزكاة تجب فيه ، وهذا مما لا شك فيه أنه ينتقض عليهم ، إذ مقتضى القياس تساوي الأصل والفرع ، ثم إن القائلين بعدم زكاة الحلي يقولون : لو كان عندها حلي للبس ثم نوتها للتجارة فإنه يكون للتجارة وتجب فيه الزكاة ، ولو كان عندها ثياب للبس ثم نوتها للتجارة فإنها لا تكون للتجارة ، وهذا أيضاً دليل على عدم صحة القياس ، إذ مقتضى القياس تساوي الأصل والفرع ، وأن الثياب المعدة للبس إذا نوتها للتجارة فيجب أن تكون فيها زكاة .
فالمهم أن القياس ليس بصحيح ، والحديث الذي يستدل به على عدم وجوب الزكاة في الحلي ليس بصحيح أيضاً ، حينئذ فيجب أن نأخذ بالأصل وهو عموم الأحاديث الدالة على وجوب زكاة الذهب والفضة ، ثم بالأحاديث الخاصة الموجبة لزكاة الحلي .
ثم إن هناك أيضاً شيئاً ثالثاً وهو أنهم قالوا : إذا أعدت المرأة الحلي للنفقة وجبت فيه الزكاة ، مع أنه لو كان عند الإنسان ثياب كثيرة يعدها للنفقة كلما احتاج باع وأنفق على نفسه فإنه لا زكاة فيها ، فهذه ثلاثة أمثلة كلها تدل على أن قياس حلي الذهب على الثياب ونحوها غير صحيح ، وإذا لم يصح القياس ولا الأثر لم يبق للقول بعدم وجوب الزكاة في الحلي دليل من أثر أو نظر .
ثم إن إخراج الزكاة لا شك أنه هو الأحوط والأبرأ للذمة ، والإنسان مأمور باتباع الأحوط إذا كان الاحتياط مبنيًّا على أصل .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 18 / السؤال رقم 77 ) .
ثانياً :
وأما بالنسبة للأرض التي يملكها المسلم فإنه لا زكاة فيها ما لم يتخذها للتجارة ، أما إذا أعدها للبناء أو للتأجير : فإنه لا زكاة فيها .
سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
أمتلك قطعة أرض ، ولا أستفيد منها ، وأتركها لوقت الحاجة ، فهل يجب عليَّ أن أخرج زكاة عن هذه الأرض ؟ وإذا أخرجت الزكاة هل علي أن أقدر ثمنها في كل مرة ؟ .
فأجاب بقوله :
ليس عليك زكاة في هذه الأرض ؛ لأن العروض إنما تجب الزكاة في قيمتها إذا أعدت للتجارة ، والأرض والعقارات والسيارات والفُرش ونحوها عروض لا تجب الزكاة في عينها ، فإن قُصد بها المال – أعني : الدراهم – بحيث تعد للبيع والشراء والاتجار وجبت الزكاة في قيمتها ، وإن لم تعدّ – كمثل سؤالك – فإن هذه ليست فيها زكاة .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 131 )
وسئل الشيخ – رحمه الله – :
عندي قطعة أرض وأنا أنتظر ارتفاع أسعار الأراضي لبيعها وبقيت عدة سنوات ، فهل أخرج عنها زكاة ؟ .
فأجاب بقوله :
من اشترى أرضاً للربح ثم كسدت الأرض ورخصت وأبقاها لحين ارتفاع السعر فإنه يزكيها كل سنة ؛ لأنها من عروض التجارة ، وإن لم يكن عنده مال يخرج زكاتها ولا يجد مشترياً : فيقدر ثمنها عند وجوب الزكاة ويقيد زكاتها ، وفي السنة الثانية يقدر زكاة قيمتها ، ثم الثالثة كذلك ، فإذا باعها في أي وقت يخرج جملة الزكاة التي قدرها .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 931 ) .
وسئل فضيلة الشيخ – رحمه الله – :
اشترى شخص قطعة أرض كي يبني عليها منزلاً له ، وبعد فترة غيَّر رأيه وقرر أن يبيع هذه الأرض ولم تبع إلا بعد سنوات ، فهل عليه زكاة عن هذه الأرض التي بقيت في ملكه عدة سنوات مع العلم أنه اشترى قطعة أخرى وسيبني بمال الأرض الأولى منزله ؟ .
فأجاب بقوله :
ليس عليه زكاة في ذلك ، يعني أن الإنسان لو رغب عن شيء من ملكه من أرض أو سيارة أو غيره وعرضها للبيع وبقيت لم يشترها أحد لمدة سنة ، أو سنتين ، أو أكثر فليس عليه في ذلك زكاة ؛ لأن هذا ليس تجارة ، والزكاة إنما تجب في التجارة ، في الرجل الذي يبادل السلع لطلب الربح ، أما هذا فلم يطلب ربحاً ولكنه زالت رغبته عن هذا الأرض فأراد بيعها فليس عليه زكاة ولو بقيت عدة سنوات ، لكن إذا باعها وبقيت الدراهم عنده حتى أتمت السنة ففيها زكاة الدراهم .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 851 ) .
والله أعلم


[…] هل تجب الزكاة على حليّ المرأة – زكاة – الموقع الرس… […]
نعم تجب على الراجح، وفي موقعي مزيد تفصيل.
وفقكم الله وسددكم