يشك في شقيق زوجته أنه يأخذ من أموال الصدقات بغير وجه حق !

السؤال

شقيق زوجتي يعمل في مشروع ” كفالة الطفل اليتيم ” بالجمعية الشرعية الرئيسية بمدينتنا ، وهو في نفس الوقت موظف بالأوقاف ( عامل بالمسجد ) بالشهادة الابتدائية ، أو الإعدادية ، وهو كما أعلم تمام العلم بدأ من الصفر ، أو من تحته ، ومنذ أن عمل في كفالة اليتيم وهو يتولى جمع المبالغ ، والصدقات ، وزكاة الأموال ، وتلقي التبرعات العينية ، والأطعمة ، والأشربة ، وما إلى ذلك ، ثم يتولى توزيعها ، هو وبعض زملائه ، وهو يتقاضى حوالي 150 جنيهاً من الجمعية الشرعية ، وحوالي 250 أو 300 جنيهاً من وظيفة الأوقاف ، يعني إجمالي 450 جنيهاً ، أو لنقل 500 جنيهاً على الأكثر من الوظيفتين .

وقد ارتبط ، وتزوج في وقت قياسي ، واستأجر شقة بحوالي 200 جنيه شهريّاً ، وينفق بشكل ملفت جدّاً ، حتى إنه بدأ يبدل ويغير في تجهيزات بيته قبل مرور عام على زواجه ، ويشتري لأهله كثيراً من اللبس ، ويساعد أمه وأخاه المتزوج حديثاً ، ولا يتحرك إلا بسيارات مخصوصة ( تاكسي ) بحوالي 10 جنيهات يوميّاً ( إجمالي 300 جنيه شهريّاً ) ولا تمر أي ضائقة بأي شخص من أفراد الأسرة إلا وتجده ينفق ويساهم بالمال في حل المشكلة ، ولديه جهازا كمبيوتر اشتراهما بعد زواجه ، وهو للعلم ملتحٍ ، ويقول : إنه يطلب العلم الشرعي ، حتى إنه اعترف لأخته ( زوجتي ) أن أحد المحسنين أعطاه 2000 ( ألفا ) جنيه كإعانة له على طلب العلم ، فاشترى لزوجته بها ذهباً ، وأنا وزوجتي وأمه نعهد عليه كذباً كثيراً في معظم كلامه ، ويدعي أنه تعريض ، ويتذرع بقصة دائماً ما يكررها عن الإمام أحمد رحمه الله ، وأنا بحسي لم أعهد عليه أي علم حصله حتى إنه لا يحفظ جزءً واحداً من كتاب الله تعالى ، ولا يحافظ على أداء الصلوات في جماعة ، وكل ما يذكره من أمور أو فتاوى يكون قد سمعها في خطبة ، أو موعظة لأحد الشيوخ ، ولديه مكتبة عامرة بأمهات الكتب آخرها ” سير أعلام النبلاء ” للذهبي ، ولكنه لم يفتح منها كتاباً وحداً ، ويتذرع بعدم وجود وقت لديه للقراءة ، وقد صرح لزوجتي قبل ذلك أن لأهل العلم رأياً يجيز أخذ زكاة المال كلها ، ناهيك عن حصوله على نصيبه من أي صدقات في صورة لحوم ، أو حبوب لبيته ؛ لأنه من العاملين عليها ! هو يعلم أنني غير مرتاح لمستوى مصاريفه مقارنة بمستوى دخله المعلوم بوضوح ، وأنني مرتاب من ذلك ، بل وعرض على أخته – زوجتي – أن ترد الهدايا إن كنت أنا لا أرتاح .

السؤال هو :

أنه في بعض الأحيان يهدي أخته ( زوجتي ) بعض الهدايا ككتاب ، أو حلوى ، أو فاكهة ، وكذا يعطي أولادي في صورة لعب أطفال ، أو عيدية في العيد ، أو في صورة فسحة ، وأنا بنسبة 70 أو 80 في المائة أشك في أنه يستحل ما لا يستحق ، وقد نوهت لزوجتي بذلك ، وصرحت لها بأنني أخشى أن نكون ممن يشاركونه في الإثم إن كان آثما ، وأنا أخاف من هداياه وعطاياه ، وفي نفس الوقت لو رفضنا ستكون قطيعة بيننا وبينه ، ولكني بالطبع لن أخشى في الله لومه لائم ، وليكن ما يكون ولكن بعد أن تفتنا في هذا الأمر ، هل يجوز لنا أن نرفض هداياه وعطاياه حتى لو كانت ستقطعه عنَّا وتقطعنا عنه ؟ وهل يجوز لزوجتي أن تقبل هي حتى لا تقطع رحمها وأنا وأولادي لا نقبل ؟ بمعنى أن تقبلها منه وتتصدق بها أو تنتفع هي بها دوناً عني وعن أولادي ؟ أنا آسف على الإطالة ، ولكن كان لا بد من التبيان حتى تكون الفتوى عن بينة .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

ليس الأصل في المسلم التهمة ، بل هو على البراءة ، حتى يثبت عليه ما يدينه ، وليس من أخلاق المسلمين تتبع الناس لمعرفة المخفي من أمورهم ، ولذا نهينا عن إساءة الظن بالمسلمين ، كما نهينا عن التجسس ، ونهينا عن تتبع عوراتهم كذلك .

نعم ، ليس كل الظن سيئاً ، لكننا أُمرنا باجتناب الكثير منه ، وهو ما بني على غير قرائن قوية ، وحقائق دامغة ، تدين صاحبها ، وهذا أول ما ينبغي التنبيه عليه في الجواب .

قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) الحجرات/ 12 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين ؛ فـ ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) وذلك كالظن الخالي من الحقيقة ، والقرينة ، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال ، والأفعال المحرمة ، فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك ، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ، ويفعل ما لا ينبغي ، وفي ذلك أيضاً : إساءة الظن بالمسلم ، وبغضه ، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه .

( وَلا تَجَسَّسُوا ) أي : لا تفتشوا عن عورات المسلمين ، ولا تتبعوها ، واتركوا المسلم على حاله ، واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت : ظهر منها ما لا ينبغي . ” تفسير السعدي ” ( ص 801 ) .

وإن ما تذكره عن شقيق زوجتك ليس أمراً عاديّاً طبيعيّاً ، لكن ما يذكره هو محتمل التصديق ، وهو ما يفعله بعض أهل الخير قديما وحديثاً مع طلاب العلم ، والعاملين لخدمة الإسلام ، من تخصيص رواتب شهرية لهم ، أو إعطائهم مكافآت وهدايا دورية ، والتفتيش عن مثل الأمور يولِّد العداوة والبغضاء ، كما قد يكون الدافع له – وحاشاك من ذلك – الحسد الذي يأكل بعض القلوب المريضة إذا رأى غيره على حال أحسن منه – ولسنا نعني بالطبع شقيق زوجتك ، بل كلامنا هو على وجه العموم – .

وأبلغ من ذلك : ما رواه البخاري ( 4946 ) ، ومسلم ( 715 ) – واللفظ له – عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ َقال : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ ) .

قال النووي – رحمه الله – :

( يطرق أهله ليلا يتخونهم ) فهو بفتح اللام وإسكان الياء أي : في الليل , ( والطروق ) بضم الطاء هو الإتيان في الليل , وكل آت في الليل فهو طارق .

ومعنى ( يتخونهم ) : يظن خيانتهم , ويكشف أستارهم , ويكشف هل خانوا أم لا ؟ .

” شرح مسلم ” ( 13 / 71 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم .

” فتح الباري ” ( 90 / 341 ) .

وقال الصنعاني – رحمه الله – :

وفي الحديث : الحث على البعد عن تتبع عورات الأهل ، والحث على ما يجلب التودّد والتحاب بين الزوجين ، وعدم التعرض لما يوجب سوء الظنّ بالأهل ، وبغيرهم أولى . ” سبل السلام ” ( 3 / 269 ، 270 ) .

وأنت تذكر أن النسبة عندك في اتهماه لا تتجاوز ال 80 :% ! وهذا يعني أنه لا أدلة ولا براهين عندك على أخذه ما لا يحل له من أموال الناس ، فدع ذلك للإدارة المسئولة عن توظيفه في القيام على التبرعات والصدقات ، وهم يرون ويعلمون ما تراه وتعلمه من حاله ، فهو يظهر ذلك ، ولا يخفيه ، ودع ذلك لتقواه ودينه ، ويوشك آخذ مال الحرام ، والظالم لغيره في الحقوق أن يكون عبرة للناس بما يعاقبه به ربه تعالى .

ثانياً:

وأما بخصوصه هو ، ومن هو على مثل حاله : فالوصية أولاً لهم بتقوى الله تعالى ، ومراقبته عز وجل ، والحذر من الاستيلاء على أموال الناس بغير وجه حق ، وبخاصة إن كان المال ليتيم ، أو مريض ، أو ضعيف ، وبخاصة أيضاً إن كان يستعمل مظهره الإسلامي لكسب ثقة الناس للاستيلاء على أموالهم ، فهذا مما يزيد في الإثم ، والعقوبة .

والوصية لهم ثانياً : أن لا يفتحوا على أنفسهم باب التأويل الفاسد ، فإننا قد رأينا من يستحل أخذ مال التبرعات والصدقات بتأويل فاسد لا أصل له في الشرع ، فمثل هذا المسئول عنه موظف ، يأخذ راتبه من الجمعية الشرعية الخيرية ، فليس له أخذ فلس واحد زيادة عليه ، وليس له أن يتأول أنه من ” العاملين عليها ” الوارد ذِكرهم في مصارف الزكاة في قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ) التوبة/  60 ؛ لأنه يأخذ راتباً على عمله من جهة ، ومن جهة أخرى : فقد لا يكون هو أصلا منهم ، إن كان يُعطى المال لإيصاله للجمعية الخيرية ، فهو هنا مستأمن على هذا المال ، والواجب عليه إيصاله ، وأداء الأمانة على وجهها ، ولا يحل له منه شيء .

فالواجب على من تولى جمع المال من أهل الخير لفقراء واليتامى وغيرهم : أن يتقي الله تعالى في تلك الأموال ، وأن يحرص أشد الحرص على أدائها لأهلها ، وأن يدع عنه التأويل الباطل ، والتعلق بالدنيا الذي يجعله يستولي على ما لا يحل له من مال ، أو طعام ، أو أغراض ، وليعلم أن عقوبة الله قريبة ، وإذا كان الله تعالى أمهله : فإنه لم يهمله .

ثالثاً:

ولذا فإننا نرى معاملة هذا الرجل على البراءة ، وأنه قد يوجد عنده من مصادر الدخل الحلال غير ما تعرفه أنت ، ولا يريد إظهارها لحاجة في نفسه ، ونرى جواز قبول زوجتك وأبنائك لهداياه ، وإن شئت الورع : فباب الورع واسع ، ولك أن تتورع عن ماله بالتصدق به في وجوه الخير إن كان عدم قبولكم للهدايا والصدقات قد يسبب قطيعة بينكم وبينه ، فهو شقيق زوجته ، وخال أولادك .

ولا يكون الحكم تحريم قبول هدية منه ، من مال ، أو طعام ، أو غيره : إلا بأن يُجزم باليقين أن عين هذا المال أو الطعام مأخوذ بغير وجه حق من تلك الجمعية ، أو من بعض أهل الخير طلب إيصال المال لتلك الجمعية ، فاستولى عليها هو .

قال علماء اللجنة الدائمة :

إن عرفتَ أن ما أُعطي لك هدية ، أو قدم لك طعاماً لتأكل منه : حرام بعينه : فلا تأكل منه ، ولا تقبله هدية ، وكذا الحكم إن كان كل كسبهم حراماً .

الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن قعود .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 329 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

أما ما حُرِّم لعينه : فهو حرام ، على الآخذ ، وغيره ، فالخمر – مثلاً – : لو أهداه إليَّ يهودي – مثلاً – أو نصراني ممن يرون إباحة الخمر ، فهل يجوز لي قبوله ؟ لا ؛ لأنه حرام عليَّ بعينه ، وإنسان سرق مال شخص ، وجاء إليَّ فأعطاني إياه ، هذا المال المسروق يحرم أم لا يحرم ؟ يحرم ؛ لأن هذا المال بعينه حرام .

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 2 / السؤال رقم 58 ) .

ونسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الحسد ، وأعمالنا من المعاصي ، وأموالنا من الحرام والشبهات ، وأن يوفقنا لما فيه رضاه .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة