معترض على سؤال الادخار في آرامكو ويوضح الصورة الأصلية

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى وصلاة ربي وسلامه على نبيه الذي اصطفى

أما بعد

فقد وصلتني إجابتكم على السؤال الخاص بادخار الموظفين في ” أرامكو ” السعودية ، وحيث أنني من موظفي الإدارة المالية ولدي اطلاع على الحقائق المتعلقة بهذا الموضوع فإنني أرغب إليكم إعادة النظر في فتواكم الخاصة به ، والحقيقة أن صيغة السؤال توحي بالجواب ، فالسائل قد حرم الادخار ولم يترك للمفتي مجالا إلا أن يتبنى تحريم الادخار بناء على سؤاله ، وهذا فيه تعدي على المفتي .

ابتداء أقول : إن تحريم الادخار من هيئة كبار العلماء حفظهم الله ومن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كانت بناء على معلومات مغلوطة ، لذلك فإنني أضع بين أيديكم الحقائق الصحيحة كما هي ، وأترك الحكم لكم .

الادخار في أرامكو ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول: يتم استثمار أموال المشاركين فيه في بنوك ربوية – وهذا يسمَّى مستثمراً – وسينحصر نقاشي هنا على القسم الثاني الغير مستثمر .

القسم الثاني : يتم الاحتفاظ به في بنوك محلية ولا يدر على أرامكو السعودية أي دخل ، ولا تستخدم أرامكو السعودية هذه الأموال في تمويل عملياتها ، بل إن أرامكو السعودية تتحمل تكاليف إدارته من موظفين وخلافه .

أرامكو السعودية تمنح موظفيها مكافأة تشجيعية – ليست أرباحا – فما المشكلة في أن تشجع شركةٌ موظفيها من مالها الحر على الادخار ؟ .

ولتقريب المسألة : هب أن لديك ثلاثة أطفال ووضعت لهم ثلاث حصالات ، وتريد تحفيزهم على عدم التبذير في مصروفهم اليومي ، وهب أن الصغير تعطيه مصروفاً يوميّاً خمسة ريالات ، والأوسط عشرة ريالات ، والكبير عشرون ريال – للتعبير عن الاختلاف في الدخل – وأن هذه الحصالات تحت سيطرتك ، ولكنك لا تستفيد منها أبدا ، ووعدتهم بأن تعطي كل منهم في نهاية كل شهر من حلالك الخالص مبلغا يساوي ما استطاع أن يدخره ، الصغير وفَّر 60 ريالاً ، والأوسط لم يوفر شيئاً ، والكبير وفَّر 100 ، دفعت للصغير 120 ريالاً والكبير 200 ريالاً ، فما هي أسباب تحريم هذا – ألا تعطي أولادك – ؟ وإنني أؤكد لكم أن أرامكو لا تستثمر هذه الأموال ولا تستفيد منها لا في صغيرة و لا كبيرة ، أما استفادة البنوك منها فكل أموالنا في البنوك فأين مصدر الغرابة ؟ ثم نقطة مهمَّة جدّاً : إنه يحق للموظف سحب رصيده كاملاً أربع مرات في السنة ، ويحصل على المكافأة سواء سدَّد أو لم يسدد مسحوباته ، حتى ولو قَبل التقاعد أو إنهاء الخدمة بساعة واحدة ، فأين وجه المنفعة لأرامكو من هذا ؟ بهذا ينتفي أي نفع يعود على الشركة من هذه الأموال المدخرة لأنه بمجرد أن تسجل المكافأة له تصبح حقّاً لازماً على الشركة دفعه له ، لقد أفتى بحلها الشيخ عبد الله بن منيع ، ووافقه الشيخ صالح بن حميد وغيرهم .

أكرر بأن الإجابة على قدر السؤال ، والذين يسألون – في الغالب – عن هذا الموضوع من غير ذوي الاختصاص وممن لا تتوفر لديهم المعلومات الكافية ، فهم يرجمون بالغيب هدانا الله وإياهم ، وبذلك يضيِّقون على المسلمين بدون علم ، وللعلم فهناك أمور أخرى تقدمها الشركة لموظفيها مثل الحسم ( 16 % ) على القرض بدون فوائد الذي تقدمه الشركة للموظفين لتوطينهم ببناء مساكن خاصة بهم وتقدم أرضاً مجانية أو قيمتها بموجب أمر من الملك عبد العزيز رحمه الله وتعالج موظفيها مجاناً ، وتعطي بعضهم مصروف جيب في الإجازة السنوية وأشياء أخرى كثيرة ، فهل هذا حرام أم أنه واجب عليها تشجيع موظفيها للحفاظ عليهم .

أرجو أن يلقى سؤالي هذا الاهتمام الكافي ، وأنا على أتم الاستعداد لإضافة أي ايضاحات ترون أنها ضرورية في هذا الخصوص . والله يرعاكم .

الجواب

الحمد لله

نحن مجموعة من موظفي أرامكو السعودية ، يهمنا كما يهم أي فرد مسلم شرعية الأموال التي يحصل عليها ، وإننا في الآونة الأخيرة وقعنا في حيرة عظيمة لا يعلم بها إلا الله عز وجل ، لعل عندكم شيئاً من علم عن نظام الادخار في أرامكو السعودية ، ( فالشركة تحفزني بأن أدخر عندهم بإعطائي مكافئة عند التقاعد أو عند ترك العمل في الشركة .

المساهمة هي نسبة مئوية من مساهمتي حسب بقائي في الخدمة ، مثلاً إذا كانت مساهمتي الكلية 100000 ريال وخدمتي في الشركة 10 سنوات فتكون مكافئتي من الشركة هي 100000 ريال . وإذا كانت مدة خدمتي 7 سنوات فتكون مكافئتي 70% فقط من 100000 ريال وهي 70000 ريال .

وإننا كما نعلم مسبقا أن هذا النظام محرم شرعا بحكم فتوى اللجنة الدائمة الصادر في ذلك ، ولكننا في الآونة الأخيرة جاءتنا فتوى من الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله بجواز هذا النظام الادخاري ، فوقعنا بذلك في حيرة ، فلا نعلم هل نتبع اللجنة أم نتبع الشيخ المنيع بحكم تخصصه في المجالات الاقتصادية .

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

نظام الادخار المعمول به في شركة أرامكوا نظام محرم ، وهو ربا صريح ؛ لكونه قرضاً جر نفعاً ، فإن من دفع 100,000 ليأخذها بعد مدة عشر سنوات ، أو سبع ، أو غير ذلك ، مضافا إليها مكافأة قدرها 100,000 أو 70,000 ، أو ريالا واحدا ، فقد وقع في الربا الصريح ، المحرم بإجماع العلماء .

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله : ( وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن المُسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية ، فأسلف على ذلك ، أَنَّ أخذ الزيادة على ذلك ربا .

وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرضٍ جرَّ منفعة .)  [ المغني 6/436 ] .

ولا عبرة بتسمية الشركة لهذه المعاملة ادخارا أو استثمارا أو مضاربة ، فإن كل استثمار ضُمن فيه رأس المال لصاحبه ، فهو عقد قرض ، وإن سماه الناس غير ذلك ، فالعبرة بحقائق الأشياء لا بمسمياتها.

أما الاستثمار ، أو التوفير ، أو الادخار المشروع فيقوم على أسس أهمها :

  1. أن يكون المال منك ، والعمل من الطرف الآخر ، ولا مانع أن يدخل بحصة من المال مع العمل .
  2. أن يكون مجال الاستثمار مباحا ، معلوما لك ، فإن غالب هذه الشركات تستثمر المال بوضعه في بنوك الربا ، أو إقامة مشاريع غير مباحة .
  3. أن تتفقا على نسبة محددة من الربح ، لا من رأس المال ، فيكون لك 50 % أو 10 % من الربح مثلا .
  4. أن لا يضمن المضارب لك رأس المال ، بل متى وقعت الخسارة – بلا تفريط منها – فالخسارة في مالك ، ويخسر هو عمله .

وحيث كان رأس المال مضمونا فالمعاملة قرض يلزم سداده دون زيادة ، فإن اشتُرطت فيه الزيادة فهو ربا .

– نسأل الله أن يصرف عنا الربا وشره وخطره ، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه .

والحاصل أن نظام الادخار في شركة أرامكو محرّم ؛ لضمان رأس المال فيه ، ولكون الربح نسبة محددة من رأس المال ، فهو حينئذ قرض بفائدة ، ولجهالة الجهة التي تستثمر فيها الأموال .

وقد أشارت اللجنة الدائمة إلى بطلان الدعوى بأن ما يعطاه الموظف مكافأة من الشركة ؛ لأنها لا تعطي هذا إلا لمن يدخر ، ولو كانت مكافأة محضة لشملت جميع الموظفين .

وكما ذكر السائل فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله ومعه الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود – وهم من كبار العلماء – عن نظام الإدخار في شركة أرامكوا فأجابوا بما نصه : ” الاشتراك في نظام الادخار بشركة أرامكوا حرام ؛ لما فيه من ربا الفضل وربا النسأ ، وذلك لما فيه من تحديد نسبة ربوية تتراوح ما بين خمسة بالمائة ومائة بالمائة من المال المدخر للموظف السعودي ، وكذا ما يُعطاه الموظف المُدَخِر من المكافأة دون من لم يدخر من موظفيها ، كما هو منصوص في نظام ادخارها . ”

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13/510-515 ) .

وكذا أفتى الشيخ محمد بن صالح العثيمين وغيره من أهل العلم بتحريم نظام الإدخار في شركة أرامكوا .

ثانياً :

إذا اختلف العلماء في الحكم الشرعي في مسألة شرعية فعلى المستفتي أن يجتهد في معرفة الحق بالنظر في أدلة كلا الفريقين فيعمل بما ترجح له . هذا فيما لو كان المستفتي طالب عالم له القدرة على الترجيح .

أما إن لم يتمكن من الترجيح نظراً لعدم تخصصه في العلم الشرعي فالواجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم والأوثق عنده ، وليس له أن يتخير من الأقوال ما يشاء .

وفي مسألتنا هذه تبين أن كبار العلماء أفتوا بالتحريم ، و هم أعلم وأوثق ممن خالفهم – وليس هذا قدحاً في الطرف الثاني – ، لذا فالواجب عليك الابتعاد عن هذا النظام لما تقدم .

* وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن موقف المسلم من اختلاف العلماء فأجاب :

” إذا كان المسلم عنده من العلم ما يستطيع به أن يقارن بين أقوال العلماء بالأدلة ، والترجيح بينها ، ومعرفة الأصح والأرجح وجب عليه ذلك ، لأن الله تعالى أمر برد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة ، فقال : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) [ النساء/59 ] . فيرد المسائل المختلف فيها للكتاب والسنة ، فما ظهر له رجحانه بالدليل أخذ به ، لأن الواجب هو اتباع الدليل ، وأقوال العلماء يستعان بها على فهم الأدلة .

وأما إذا كان المسلم ليس عنده من العلم ما يستطيع به الترجيح بين أقوال العلماء ، فهذا عليه أن يسأل أهل العلم الذين يوثق بعلمهم ودينهم ويعمل بما يفتونه به ، قال الله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء/43 ] . وقد نص العلماء على أن مذهب العامي مذهب مفتيه.

فإذا اختلفت أقوالهم فإنه يتبع منهم الأوثق والأعلم ، وهذا كما أن الإنسان إذا أصيب بمرض فإنه يبحث عن أوثق الأطباء وأعلمهم ويذهب إليه لأنه يكون أقرب إلى الصواب من غيره ، فأمور الدين أولى بالاحتياط من أمور الدنيا .

ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من أقوال العلماء ما يوافق هواه ولو خالف الدليل ، ولا أن يستفتي من يرى أنهم يتساهلون في الفتوى .

بل عليه أن يحتاط لدينه فيسأل من أهل العلم من هو أكثر علماً ، وأشد خشية لله تعالى ” انتهى من كتاب اختلاف العلماء أسبابه وموقفنا منه ص23 ، أنظر السؤال.

وعلى المسلم أن يحذر من استفتاء من عُرف بالتساهل ومخالفة من هو أعلم منه من العلماء الثقات ، وليحذر المسلم من اتباع الهوى والأخذ بالفتاوى التي توافق ما تريده نفسه وتهواه فإن المسلم مطالب بمخالفة هوى النفس ، قال تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } .

 

والله أعلم .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة