هل يحرم من الزنا ما يحرم من النسب؟

السؤال

أعرف أن الرجل لا يستطيع الزواج من امرأة إذا كان والداهما قد تزوجا وأتما زواجهما.

ولكن ماذا لو أن رجلًا زنى بامرأة قبل إسلامهما. هل يحرم أبناء الشخص من الزواج من آخرين إذا كان الوالدان قد ارتكبا الزنا في الجاهلية؟

الجواب

الحمد لله

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بنت الزنا هل تُزوج بأبيها؟

فأجاب:

الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها، وهو الصواب المقطوع به؛ حتى تنازع الجمهور: هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين: والمنقول عن أحمد أنه يقتل من فعل ذلك فقد يقال: هذا إن لم يكن متأولًا، وأما المتأول فلا يقتل، وإن كان مخطئًا وقد يقال هذا مطلقاًُ كما قاله الجمهور: إنه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولًا، وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وفسَّقه مالك وأحمد في الرواية الأخرى، والصحيح: أن المتأول المعذور لا يفسق، بل ولا يأثم، وأحمد لم يبلغه أن في هذه المسألة خلافًا؛ فإن الخلاف فيها إنما ظهر في زمنه، ولم يظهر في زمن السلف، فلهذا لم يعرفه0

والذين سوغوا نكاح البنت من الزنا، حجتهم في ذلك أن قالوا: ليست هذه بنتًا في الشرع، بدليل أنهما لا يتوارثان، ولا يجب نفقتها، ولا يلي نكاحها، ولا تعتق عليه بالملك، ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتًا في الشرع: لم تدخل في آية التحريم، فتبقى داخلة في قوله:{ وأُحل لكم ما وراء ذلكم } [ النساء / 24 ]0

وأما حجه الجمهور فهو أن يقال: قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } الآية [ النساء / 23 ]: هو متناول لكل مَن شمله هذا اللفظ، سواء كان حقيقة أو مجازًا، وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام، أم لم يثبت إلا التحريم خاصة، ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها؛ كقوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [ النساء / 11 ].

وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت البنت، كما يتناول لفظ العمة: عمة الأب، والأم، والجد، وكذلك بنت الأخت، وبنت ابن الأخت، وبنت بنت الأخت، ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض ولا نحوها مِن الآيات والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب.

الثاني: أن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ” – البخاري ( 4941) ومسلم (1445) – وفي لفظ :” ما يحرم من النسب “، وهذا حديث متفق على صحته وعمل الأئمة به ، فقد حرَّم الله على المرأة أن تتزوج بطفلٍ غذَّته مِن لبنها أو أن تنكح أولاده، وحرَّم على أمهاتها وعماتها وخالتها، وحرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن، وهو الذي وطئ المرأة حتى درَّ اللبن بوطئه، فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع، ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب – سوى التحريم وما يتبعها من الحرمة – فكيف يباح له نكاح بنت له خلقت من مائه؟! وأين المخلوقة من مائه من التغذية بلبن درَّ بوطئه؟! فهذا يبين أن التحريم من جهة عموم الخطاب، ومن جهة التنبيه والفحوى، وقياس الأولى.

الثالث: أن الله تعالى قال: { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } [ النساء / 23 ] * قال العلماء: احتراز عن ابنه الذي تبناه، كما قال: { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرًا } [ الأحزاب / 37 ]، ومعلوم أنهم في الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد المتبنى، فإذا كان الله تعالى قيَّد ذلك بقوله: { من أصلابكم }: علم أن لفظ (البنات) ونحوها، يشمل كل من كان لغتهم داخلًا في الاسم . . . . . .

* وسئل – رحمه الله تعالى -عن رجل زنا بامرأة في شبوبيته، وقد رأى معها في هذه الأيام بنتًا، وهو يطلب التزويج بها، ولم يعلم هل هي منه أو من غيره، وهو متوقف في تزويجها؟.

فأجاب:

الحمد لله، لا يحل له التزويج بها عند أكثر العلماء؛ فإن بنت التي زنا بها من غيره لا يحل التزويج بها عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين، وأما بنته من الزنا فأغلظ من ذلك، وإذا اشتبهت عليه بغيرها حرمتا عليه.  ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 86 – 87 – 88 ).

وعليه:

فإنه يحرم الزواج من بنت المزني بها، وهكذا الأحكام المتعلقة به، كمثل زواج ابن الزاني بها، أو زواج الزاني بأم المزني بها.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة