هل يجب عليها الاعتراف بالزنى لزوجها؟
السؤال
أنا شابّة في العشرينات من عمري وقد منَّ الله عليَّ بالهداية، وقد بدأت بتطبيق تعاليم الإسلام والحمد لله.
أنا من عائلة ليبرالية مسلمة، نجتمع مع الشباب بسهولة ولباسنا غربي ونعمل باستقلالية، الحمد لله فقد أراني الطريق الصحيح للحياة ولكنني اقترفتُ ذنبا عظيما قبل عدة سنوات وهو الزنى، عائلتي تريد تزويجي الآن وأريد أن أعرف هل يجب عليَّ إخبار من سيكون زوجي بما حصل؟
قرأتُ حديثا عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم أنه نَصح مذنبا ثلاث مرات بعدم الاعتراف بالزنى أمام الملأ وقال بأن الله سبحانه وتعالى قد ستر ذنبه فأجاب المذنب بأنه يقبل بالعقوبة في هذه الدنيا بدلا من العقوبة يوم القيامة، يوم يحاسب على أفعاله.
دعوتُ الله كثيرا أن يغفر لي وسأستمر على هذا، ولكن ضميري يؤنبني، فهل أعترف أمام محكمة شرعية وآخذ جزائي؟
– أرجو التوضيح وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
* هذا السؤال فيه مسألتان:
الأولى: الاعتراف بالذنب للزوج.
الثاني : الاعتراف بالذنب للمحكمة الشرعيَّة.
أولا:
- على من وفقه الله للتوبة أن يعلم مدى النعمة التي حباها له ربه عز وجل بأن وفقه للرجوع والندم على ما اقترف من السيئات، وهذه نعمة حُرمها كثير من أصحاب الذنوب والآثام.
- ونوصي الأخت السائلة أن تستتر بستر الله تعالى، وأن لا تعترف لأحدٍ بذنبها، وأن يبقى هذا الأمر طي الكتمان، فإن الاعتراف بالذنب ولو لإقامة الحد غير مرغَّب فيه في الشرع.
عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنة لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتُها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تُخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة. ” تفسير الطبري ” ( 9 / 583 ، 584 ).
- وليس من أمر معيَّن تفعلينه إلا المحافظة على توبتك، والقيام بشروطها حتى تكتمل وتصدق عليها أنها توبة صادقة، وهذه الشروط هي:
- الإخلاص في التوبة.
- الإقلاع عن المعصية حالا.
- والندم على فعلها في الماضي.
- والعزم عزما جازما أن لا تعودي إلى مثلها أبدا.
ومما يكمل التوبة: الابتعاد عن مكان المعصية، وهجر الصحبة التي تدعو إليها، وترك الأسباب التي توصل للوقوع في المعصية.
وهذا أمر يعين التائبين جدا، فالبيئة والصحبة وأسباب المعصية إن لم يغيرها هذا التائب فإنها تغيره من حال التائب إلى حال العاصي.
ثانيا:
ولا ننصحك بالاعتراف للمحكمة الشرعية بمثل هذا الذنب، وننصحك بالستر على نفسك وعلى أهلك، وأن تتوبي بينك وبين الله عز وجل.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد أن رجم الأسلمي: ” اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألَمَّ فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يُبد لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله تعالى عز وجل “. رواه الحاكم في ” المستدرك على الصحيحين ” ( 4 / 425 ) والبيهقي ( 8 / 330 )، والحديث: صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن، انظر: ” التلخيص الحبير ” ( 4 / 57 ) و” خلاصة البدر المنير ” لابن الملقِّن (2/303).
وقد جرى الزنا هذا مع ماعز رضي الله عنه، ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم أعرض عنه وأراد منه ألا يعترف بجرمه.
عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إني زنيتُ – يريد نفسه – فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قِبَلَه، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: فهل أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا به فارجموه. رواه البخاري ( 6430 ) ومسلم ( 1691 ).
* قال الحافظ ابن حجر:
ويؤخذ من قضيته: أنّه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز.
وأن مَن اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة” لو سترته بثوبك لكان خيرا لك “، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه، فقال: أُحبُّ لمَن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر.
وفيه: أنّه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها, ولا يخبر بها أحدا ويستتر بستر الله، وإن اتفق أنه يخبر أحدا: فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، وقد أخرج قصته معهما في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلة، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه.
” فتح الباري ” ( 12 / 124 ، 125 ).
والله أعلم.


