يريد التوبة من اللواط ولا يدري كيف؟!.
السؤال
طرحت هذا السؤال من قبل ، أنا مسلم ملتزم ، وأسلمت قبل فترة طويلة ، تم التحرش بي جنسياً وأنا طفل ، وأصبحت الآن أُثار غريزيّاً للرجال والنساء ، وهذا شيء أكرره في نفسي ، لا أدري كيف أتخلص من هذا .
أنا لا أقدم على فعل المعصية دائماً ولكنني أفعلها أحياناً وأندم على فعلها لأن الله لا يحب هذا الانحراف الجنسي ، والمشكلة أنني لا أستطيع أن أساعد نفسي ، حاولت كثيراً أن أتغير ولكن دون فائدة ، طلبت من الله المعونة واعترفت لبعض المسلمين لكي يساعدونني وذهبت للطبيب النفسي .
أحب الله والسنَّة وتصرفاتي تعكس هذا الحب ، ودائماً أحاول التقرب لله ، حيث أنني وقعت في هذا المرض ، فقد عرفت لماذا أمرت الشريعة بقتل اللوطي ، وهذا وباء أصاب الأمة وقد أقترفه ما دمت حيّاً ، جميع أصدقائي مسلمون ومتمسكون بالدين ، ولكن الشيطان قد يحاول أن يدمر إيماني أنا وأصدقائي ، أرجو أن تساعدني وتخبرني بالحل ولو تكلف هذا ذهابي لأي مكان في العالم لأنني لا أريد أن أقترف هذا الذنب مرة أخرى ، ولا أريد أن أكون خطراً على أي شخص من عباد الله . جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله
سنتكلم معك في نقاط ثلاثة ولن نزيد عليها ، فنرجو منك الانتباه والقراءة بتمهل وتمعُّن ، وهذه النقاط الثلاثة هي : قبح وشناعة فاحشة اللواط ، والآثار المترتبة عليها من حيث المخاطر الصحية ، وبيان سعة رحمة الله للتائبين .
أما الأمر الأول : وهو قبح وشناعة فاحشة اللواط :
فقد قال ابن القيم – عن قوم لوط – :
قال أصحاب القول الأول – وهم جمهور الأمة ، وحكاه غير واحد إجماعاً للصحابة – : ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط ، وهي تلي مفسدة الكفر ، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل – كما سنبينه إن شاء الله تعالى – .
قالوا : ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوطٍ أحداً من العالمين ، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمَّة غيرهم ، وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات : من الإهلاك ، وقلب ديارهم عليهم ، والخسف بهم ، ورجمهم بالحجارة من السماء ، وطمس أعينهم ، وعذَّبهم ، وجعل عذابهم مستمراً ، فنكل بهم نكالاً لم ينكله بأمَّة سواهم ، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة ، التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها ، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم ، وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى ، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها .
وقتْل المفعول به خيرٌ له من وطئه ، فإنه إذا وطأه الرجل قتله قتلا لا تُرجي الحياة معه ، بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد ، وربما ينتفع به في آخرته .
وقال :
وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله ، لم يختلف منهم فيه رجلان ، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله ، فظنَّ بعض الناس ذلك اختلافاً منهم في قتله ، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ، وهي بينهم مسألة إجماع .
ومن تأمل قوله سبحانه { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً } وقوله في اللواط { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } تبين له تفاوت ما بينهما ؛ فانه سبحانه نكَّر الفاحشة في الزنا ، أي : هو فاحشة من الفواحش ، وعرَّفها في اللواط ، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة …
ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال :
{ ما سبقكم بها من أحد من العالمين } ، ثم زاد في التأكيد بأن صرَّح بما تشمئز منه القلوب ، وتنبو عنها الأسماع ، وتنفر منه أشد النفور ، وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى ، فقال : { أئنكم لتأتون الرجال } ، … ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال ، وقلبوا الطبيعة التي ركّبها الله في الذكور ، وهي شهوة النساء دون الذكور ، فقلبوا الأمر ، وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء ، ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها ، وكذلك قلبهم ، ونكسوا في العذاب على رؤوسهم .
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بان حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد ، فقال : { بل أنتم قوم مسرفون } .
فتأمل هل جاء ذلك – أو قريباً منه – في الزنا ، وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } ، ثم أكَّد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال : { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين } ، وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال: { رب انصرني على القوم المفسدين } ، وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام : { إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين } .
– فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه الذمات .
وقال : ذهبت اللذات ، وأعقبت الحسرات ، وانقضت الشهوات ، وأورثه الشقوات ، تمتعوا قليلاً ، وعذبوا طويلاً ، رتعوا مرتعاً وخيماً ، فأعقبهم عذاباً أليماً ، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات ، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذَّبين ، وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين ، فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم ، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم ، فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين إطباق الجحيم وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم ، ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون : ” ذوقوا ما كنتم تكسبون ” ، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} . ” الجواب الكافي ” ( ص 240 – 245 ) مختصراً .
وأما الأمر الثاني :
فهو ما تسببه هذه الفاحشة من مضار صحيَّة :
قال الدكتور محمود حجازي في كتابه ” الأمراض الجنسية و التناسلية ” – وهو يشرح بعض المخاطر الصحية الناجمة عن ارتكاب اللواط – :
إن الأمراض التي تنتقل عن طريق الشذوذ الجنسي ( اللواط ) هي :
- مرض الأيدز ، وهو مرض فقد المناعة المكتسبة الذي يؤدي عادة إلى الموت .
- التهاب الكبد الفيروسي .
- مرض الزهري .
- مرض السيلان .
- مرض الهربس .
- التهابات الشرج الجرثومية .
- مرض التيفوئيد .
- مرض الأميبيا .
- الديدان المعوية .
- ثواليل الشرج .
- مرض الجرب .
- مرض قمل العانة .
- فيروس السايتوميجالك الذي قد يؤدي إلى سرطان الشرج .
- المرض الحبيبي اللمفاوي التناسلي .
ثالثاً :
ومما سبق يتبين عظم وقبح وشناعة هذه الفاحشة ، وما يترتب على فعلها من آثار ضارة ، ومع ذلك فالباب مفتوح لتوبة العاصين ، والله تعالى يفرح بتوبتهم .
وتأمل قول الله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ولا يزنون . ومن يفعل ذلك يلق أثاماً . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً } [ الفرقان / 68 – 70 ] .
* وعند التأمل في قوله تعالى : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } يتبين لك فضل الله العظيم .
وقد قال المفسرون هنا :
التبديل هنا نوعان :
الأول : تبديل الصفات السيئة بصفات حسنة كإبدالهم بالشرك إيماناً وبالزنا عفة وإحصاناً وبالكذب صدقاً وبالخيانة أمانة وهكذا .
والثاني : تبديل السيئات التي عملوها بحسنات يوم القيامة .
فالواجب عليك التوبة إلى الله توبة عظيمة ، واعلم أن رجوعك إليه سبحانه هو خير لك ولأهلك ولإخوانك وللمجتمع كافة .
واعلم أن الحياة قصيرة ، وأن الآخرة خير وأبقى ، ولا تنس أن الله تعالى أهلك قوم لوط بما لم يهلك مثله أحداً من الأمم غيرهم .
والله الهادي.


