هل أفضل الأمة أكثرهم زواجًا؟
السؤال
هل هناك حديث يقول أن رسول الله قال: أفضل أمتي الذي عنده نساء أكثر (يعني زوجات أكثر ) أي شيء مثل هذا. لو كان الأمر كذلك, هل امتلاك أكثر من زوجة واحدة في نفس الوقت سنة؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أما هل هناك حديث يحث على التعدد وتفضيله فإننا لا نعلم هناك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك إلا ما ورد عن عبد الله بن عباس ولعل معنى قول عبد الله على غير ما يفهمه كثير من الناس وإليك الحديث وشرحه لابن حجر:
عن سعيد بن جبير قال: ” قال لي ابن عباس: يا سعيد تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرهم نساء “. رواه البخاري ( 4782 ).
وفي رواية عند أحمد، عن سعيد قال: قال لي ابن عباس: يا سعيد ألك امرأة ؟ قال: قلت: لا، قال: فإذا رجعت فتزوج، قال: فعدت إليه، فقال: يا سعيد أتزوجت؟ قال: قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه الأمة كان أكثرهم نساء “. رواه أحمد ( 2179 ).
قال الحافظ ابن حجر:
والذي يظهر أن مراد بن عباس بالخير النبي صلى الله عليه وسلم، وبالامة اخصاء أصحابه. ” فتح الباري ” ( 9 / 114 ).
ثانيًا:
أما ما هو حكم تعدد النساء؟
فلا نقول هو واجب على الإطلاق ولا نقول هو سنة على الإطلاق، ولا نطلق الحكم في ذلك، ولكن نقول: قد يجب على الذي لا تعفه امرأة واحدة لأن العفة واجبة، وقد يحرم على الذي لا يستطيع الإنفاق على زوجته التي تزوجها ولم يعدل بها مع نسائه.
أما أصل التعدد في الظروف العادية – أي للذي تعفه الزوجة الواحدة ولا يظلم الثانية إن تزوجها ويقدر على نفقتها – فحكمه الإباحة فإن زاد فالاستحباب وأما الوجوب: فلا.
قال الطبري رحمه الله:
فإن قال قائل: فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام وقد قال تعالى ذكره:{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وذلك أمر فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب.
قيل: نعم، والدليل على ذلك: قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة }، فكان معلوما بذلك أن قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء }، وإن كان مخرجه مخرج الأمر فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجور فيه من عدد النساء لا بمعنى الأمر بالنكاح فإن المعني به: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فتحرجتم فيهن فكذلك فتحرجوا في النساء فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهن ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع.
وقد بينا في غير هذا الموضع بأن العرب تخرج الكلام بلفظ الأمر ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد كما قال جل ثناؤه: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف / 29 ] وكما قال: { ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } [ الروم / 34]، فخرج ذلك مخرج الأمر والمقصود به التهديد والوعيد والزجر والنهي.
فكذلك قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } بمعنى النهي فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء. ” تفسير الطبري ” ( 4 / 238 ).
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى:
وأما هل الأصل التعدد أم عدمه؟ فلم أر في كلام المفسرين الذين اطلعت على كلامهم شيئًا من ذلك، والآية الكريمة تدل على أن الذي عنده الاستعداد للقيام على حقوق النساء على التمام فله أن يعدد الزوجات الأربع، والذي ليس عنده الاستعداد يقتصر على واحدة، أو على ملك اليمين. والله أعلم.
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 /690 ) جمع أشرف عبد المقصود.
ثالثًا:
أما مما كان من حكم التعدد للرسول صلى الله عليه وسلم وأمته ولماذا عدد الرسول صلى الله عليه و سلم بالنساء فقد بيَّنها العلماء ومنهم الحافظ ابن حجر حيث قال معددًا لهذه الحكم:
أولاها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عندما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك.
ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
ثالثها: للزيادة في تألفهم لذلك.
رابعها: للزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ.
خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزاد أعوانه على من يحاربه.
سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.
سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة صلى الله عليه وسلم.
ثامنها: ما تقدم مبسوطا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال.
9و10 – تحصين نسائه والقيام بحقوقهن.
” فتح الباري ” ( 9 / 143 ).
رابعًا:
وأما بالنسبة لأمتة صلى الله عليه وسلم: فقد قال الشيخ ابن عثيمين معددًا فوائد التعدد:
- إنه قد يكون ضروريًا في بعض الأحيان مثل أن تكون الزوجة كبيرة السن أو مريضة لو اقتصر عليها لم يكن له منها إعفاف وتكون ذات أولاد منه، فإن أمسكها خاف على نفسه المشقة بترك النكاح أو ربما يخاف الزنا وإن طلقها فرق بينها وبين أولادها فلا تزول هذه المشكلة إلا بحل التعدد.
- إن النكاح سبب للصلة والارتباط بين الناس وقد جعله الله تعالى قسيما للنسب فقال تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبًا وصهرا } [ الفرقان / 54 ].
فتعدد الزوجات يربط بين أسر كثيرة ويصل بعضهم ببعض وهذا أحد الأسباب التي دعت النبي صلى الله عليه و سلم أن يتزوج بعدد من النساء.
- يترتب عليه صون عدد كبير من النساء والقيام بحاجتهن من النفقة والمسكن وكثرة الأولاد والنسل وهذا أمر مطلوب للشارع.
- من الرجال من يكون حاد الشهوة لا تكفيه الواحدة وهو تقي نزيه ويخاف الزنا ولكن يريد أن يقضي وطرا في التمتع الحلال فكان من رحمة الله بالخلق أن أباح لهم التعدد بوجه سليم.
” الزواج ” للشيخ ابن عثيمين ( ص 27 – 28 ).
ويضاف إلى ما ذكره الشيخ ابن عثيمين:
- وقد يظهر بعد الزواج عقم المرأة، ويكون الحل هو طلاقها فإذا كان له سعة في الزواج من غيرها فلا يقول عاقل إن طلاقها أفضل.
- وقد يكون الزوج كثير السفر أو الغربة، فيحتاج إلى إحصان نفسه في غربته.
- كثرة الحروب ومشروعية الجهاد في سبيل الله سبب في قلة الرجال وكثرة النساء وهذا الأمر تحتاج معه النساء إلى من يستر عليهن ولا سبيل إلى ذلك إلا بالزواج.
- وقد يعجب الرجل بامرأة أو بالعكس بسبب الدين أو الخلق فيكون الزواج هو الطريق الشرعي للقاء كل منهم بالآخر.
- وقد يحدث خلاف بين الزوجين ويتفرقان بالطلاق ثم يتزوج الرجل ويرغب بالعودة إلى امرأته الأولى فهنا يأتي تشريع التعدد حلا حاسما لمثل هذه الحالة.
- والأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى كثرة النسل لتقوية صفوفها والاستعداد لجهاد الكفار ولا يكون ذلك إلا بكثرة الزواج من أكثر من واحدة وكثرة الإنجاب.
- ومن حكم التعدد تفرغ المرأة في غير نوبتها لطلب العلم وقراءة القرآن وتنظيف بيتها وهذا لا يتيسر – غالبا – للمرأة ذات الزوج غير المعدد.
- ومن حكم التعدد زيادة الألفة والمحبة بين الزوج ونسائه إذ لا تأتي نوبة الواحد منهن إلا وهو في شوق لامرأته وهي كذلك في اشتياق له.
وغيرها كثير، والمسلم لا يشك لحظة أن في تشريع الله حكمة بالغة وأعظم هو الامتثال لأمر الله وطاعته فيما حكم وأمر.
انظر: ” أحكام التعدد في ضوء الكتاب والسنة ” لإحسان العتيبي ( ص 31 – 32 ).
والله أعلم.


