هل يجوز للمرأة أن تكتب عقود الزواج؟

السؤال

عندنا في بلادنا يوجد سيدات يكتبن عقود الزواج يعملن عدول إشهاد، وبهذه الصفة يكتبن عقود الزواج فأنا أعرف أنه من شروط الشهود والولي أن يكونوا ذكوراً. هل يجوز للمرأة أن تكتب عقد الزواج؟.

– أرجو من سيادتكم الإجابة على سؤالي، ولكم جزيل الشكر.

الجواب

الحمد لله

يطلق على من يكتب عقود الزواج : ” المأذون ” و ” مأذون الأنكحة ” و ” مملِّك ” و ” عاقد النكاح ” .

وهو من يُجري عقد النكاح على الترتيب الشرعي من حيث الأركان والشروط والواجبات ويوثقه في وثيقة تسمى ” عقد النكاح ” .

ومن أعماله : التأكد من رضى المخطوبة وموافقتها على النّكاح ، باستئمار المرأة الثّيّب واستئذان البكر ، ومعرفة شروط الطرفين ، والتأكد من عدم وجود موانع للزواج .

ومن أعماله : التأكد من الولي إن كان موافقاً للشرع أم لا ، والتأكد من هوية الشهود وتوثيق شهادتهم .

ومن أعماله : توثيق تسمية الصّداق ومعرفة مقداره ، وهل استلمته الزوجة أو ليها أم لا ، وهل بقي منه شيء مؤجلاً أم كله قد عُجِّل .

وتعدُّ ” المأذونية ” فرعا من فروع القضاء ، بل هو نائب عن القاضي الشرعي ، ولذا لزم أن يكون المأذون الشرعي متصفاً في شخصه ببعض الصفات المشترطة في القاضي , ومن أعظمها أن يكون مسلماً ، ذكراً ، بالغاً ، عاقلاً ، رشيداً.

ويجوز للمرأة أن تمهِّد لعقد الزواج من حيث الصداق ورضا الطرفين ، وأما أن تباشر عقد الزواج فلا يجوز لها ذلك ، وفي ذلك أثر عن عائشة رضي الله عنها :

عن ابن جريج قال : كانت عائشة إذا أرادت نكاح امرأة من نسائها ، دعت رهطا من أهلها ، فتشهدت ، حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت : يا فلان ! أنكح فإن النساء لا ينكحن . ” مصنف عبد الرزاق ” ( 6 / 201 ) ، وصححه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 9 / 186 ) .

عن عائشة قالت : كان الفتى من بني أختها إذا هوى الفتاة من بني أخيها ضربت بينهما ستراً وتكلمت ، فإذا لم يبق إلا النكاح قالت : يا فلان ! أنكح ، فإن النساء لا ينكحن . ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 3 / 276 ) .

وقد ورد عن عائشة – أيضاً – ما يوهم جواز تولي المرأة عقد الزواج ، وقد استدل به الحنفية على عدم اشتراط الولي في النكاح ، وما فهموه من الأثر خطأ ، ومعنى الأثر موافق لما ذكرناه عن عائشة رضي الله عنها من قبل .

عَنْ الْقَاسِمِ بنِ محمَّد أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : وَمِثْلِي يُصْنَعُ هَذَا بِهِ ؟ وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ ؟ فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ : فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ ، فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا . رواه مالك ( 1182 ) وإسناده صحيح .

قال الإمام إسحاق بن راهويه – رحمه الله – :

وتزويج الأخ عندنا جائز إذا كان الأب غائباً في مصر أخرى ، ألا ترى أن عائشة رضي الله عنها زوَّجت بني أختها بنات أخيها ، وإنما معنى ذلك : أنها رأت ذلك جائزاً ، والذي ولي العقدة بنو الأخ ، وأبوهم غائب بالطائف ، احتج بذلك ابن المبارك .

قال : ومعنى قول عائشة : أنكحت أي : تكلمت ، لما رأت تزويج الولي والأب غائب جائزاً .

وهذا الذي نعتمد عليه : أن يكون تزويج الولي الدون جائزاً إذا كان الولي من الأولياء بمصر آخر ، وبين المصرين سفر تقصر فيه الصلاة . ” مسائل الإمام أحمد وإسحاق ابن راهويه برواية الكوسج ” ( 5 / 2477 ، 2478 ).

وقال الإمام أبو الوليد الباجي – رحمه الله – :

قوله إن عائشة زوَّجت حفصة بنت عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام يحتمل أمرين :

أحدهما : أنها باشرت عقدة النكاح ، ورواه ابن مُزَّين عن عيسى بن دينار ، قال : وليس عليه العمل – يريد : عمل أهل المدينة حين كان بها عيسى – ; لأن مالكا وفقهاء المدينة لا يجوزون نكاحا عقدته امرأة ويفسخ قبل البناء وبعده على كل حال.

والوجه الثاني : أنها قدَّرت المهر وأحوال النكاح , وتولَّى العقد أحدٌ من عصَبتها ، ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره إليها , وقد روي عن عائشة أنها كانت تقرر أمر النكاح ثم تقول : ” اعقدوا ؛ فإن النساء لا يعقدن النكاح ” ، وهذا هو المعروف من أقوال الصحابة أن المرأة لا يصح أن تعقد نكاحا لنفسها ولا لامرأة غيرها . ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 3 / 251 ) .

وقال ابن عبد البر – رحمه الله – :

قوله في حديث هذا الباب ” أن عائشة زوجت حفصة بنت عبد الرحمن أخيها من المنذر بن الزبير ” ليس على ظاهره ، ولم يرد بقوله ” زوجت حفصة ” – والله أعلم – إلا الخطبة والكناية في الصداق والرضا ونحو ذلك دون العقد ، بدليل الحديث المأثور عنها أنها كانت إذا حكمت أمر الخطبة والصداق والرضا قالت : ” أنكحوا واعقدوا ؛ فإن النساء لا يعقدن ” .

وروى ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها أنكحت امرأة من بني أخيها رجلا من بني أختها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت : ” ليس إلى النساء النكاح ” .

قال أبو عمر : قد احتج الكوفيون بحديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة المذكور في هذا الباب في جواز عقد المرأة للنكاح !

ولا حجة فيه لما ذكرنا من حديث ابن جريج ؛ ولأن عائشة آخر الذين رووا عن النبي عليه السلام ( لا نكاح إلا بولي ) ، والولي المطلق يقتضي العصبة لا النساء . ” الاستذكار ” ( 6 / 32 ) .

والخلاصة :

يجوز للمرأة أن تمهِّد لعقد الزواج ، ولا يجوز أن تباشر التزويج ؛ لأن هذا من فعل القاضي ومن ينوب عنه ، ومن شروطهما الذكورة .

وإذا تمَّ العقد الشرعي برضا الطرفين وموافقة الولي ، ووثقت المرأة – كأن تكون موظفة في محكمة أو دائرة شرعية – عقد النكاح فلا يظهر المنع ؛ لأن العقد قد تمَّ وليس لها إلا توثيق ذلك على الورق .

ولا يجوز للمرأة أن تكون شاهدةً على عقد النكاح فكيف لها أن تقوِّم الشهود وأن تلي عقد النكاح ؟! .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة