هل المحافظة على الصحة واجبة؟

السؤال

على المسلمين أن يحافظوا على صحة جيدة ويتناولون الوجبات الغذائية المفيدة ويمارسوا التمارين الرياضية، فما هو السبب وراء ذلك؟

الجواب

الحمد لله

جاء الإسلام ليحافظ على الضرورات الخمسة وهي: الدين والعقل والبدن والمال والعرض.

فحرَّم كل ما يؤذي في واحدة منها لأن قوام الإنسان بها.

وأما حفاظه على البدن فقد جاء بتحريمه لكل ضار ومؤذٍ.

عن عبادة بن الصامت: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار”. رواه ابن ماجه ( 2340 ) وأحمد (21714).

والحديث: صححه الحاكم، وحسَّنه ابن الصلاح.

انظر ” خلاصة البدر المنير ” لابن الملقن ( 2 / 438 ).

ولذا فقد فضَّل الرسول صلى الله عليه و سلم المؤمن القوي على الضعيف. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان “. رواه مسلم ( 2664 ).

وممارسة المؤمن للرياضات المباحة مفيد كونه يدفع عن حرمة الإسلام بقوته وبطشه، وبذلك تكون العزة للإسلام والمسلمين وقد نصر قادة الفتح الإسلامي الإسلام في مواطن عدة وما ذلك إلا كونهم أوتوا مراسًا وقوة في أبدانهم وخبرة في القتال جعلتهم يخضعوا الشرك ويدوسوا دياره بنصر الله الذي يؤتيه من يشاء.

وهديه صلى الله عليه وسلم أفضل الهدي في حفظ صحة البدن للناس.

* قال ابن القيم:

ومَن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجَدَه أفضل هديٍ يمكن حفظ الصحة به؛ فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس ، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة: كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل.

ولما كانت الصحة والعافية مِن أجلِّ نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق: فحقيقٌ لمن رُزِق حظّاً مِن التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها، وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نعمتان مغبون فيهما كثير مِن الناس الصحة والفراغ “.

وفي الترمذي وغيره من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن أصبح معافًى في جسده آمناً في سِرْبِه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا”.

وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه  قال: ” أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النِّعَم أن يقال له: أَلَمْ نَصِحَّ لك جسمَك، ونروِّك مِن الماء البارد “.

ومن هاهنا قال مَضن قال من السلف في قوله تعالى { ثم لتُسئلنَّ يومئذٍ عن النعيم } قال: عن الصحة.

وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال للعباس: ” يا عباس يا عمَّ رسول الله، سلِ الله العافية في الدنيا والآخرة “.

وفيه عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ” سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحدٌ بعد اليقين خيرًا مِن العافية “.

فجمع بين عافيتي الدين والدنيا ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه.

وفي سنن النسائي من حديث أبي هريرة يرفعه ” سلوا الله العفو والعافية والمعافاة فما أوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة ” وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور، الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة؛ فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية ….

وإذا كان هذا شان العافية والصحة فنذكر من هديه  صلى الله عليه وسلم  في مراعاة هذه الأمور ما يتبين لمن نظر فيه أنه أكمل هدي على الإطلاق ينال به حفظ صحة البدن والقلب وحياة الدنيا والآخرة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. ” زاد المعاد ” ( 4 / 214 – 216 ).

وذكر رحمه الله كلامًا متينًا في هذا الباب فليرجع إليه.

* وقال الإمام ابن القيم أيضًا:

ولعل قائلًا يقول ما لهدي الرسول صلى الله عليه و سلم وما لهذا الباب وذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة؟.

وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم فإن هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به و إرشاده إليه ودلالته عليه وحسن الفهم من الله ورسوله منٌّ يمنُّ الله به على من يشاء من عباده . . . .  ولو رزق العبد تضلعاً من كتاب الله وسنة رسوله وفهماً تاماً في النصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كل كلام سواه ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه.

فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه وذلك مسلم إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه وأمره.

وطب أتباعهم أصح وأنفع من طب غيرهم، وطب أتباع خاتمهم وسيدهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم: أكمل الطب وأصحه وأنفعه، ولا يَعرف هذا إلا مَن عرف طبَّ الناس سواهم وطبهم، ثم وازن بينهما فحينئذٍ يظهر له التفاوت وهم أصح الأمم عقولًا وفطرًا  وأعظمهم علمًا وأقربهم في كل شيء إلى الحق؛ لأنهم خيرة الله من الأمم كما أن رسولهم خيرته من الرسل والعلم الذي وهبهم إياه والحلم والحكمة أمر لا يدانيهم فيه غيرهم، وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ” أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله “، فظهر أثر كرامتها على الله سبحانه في علومهم وعقولهم وفطرهم وهم الذين عرضت عليهم علوم الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم فازدادوا بذلك علمًا وحلمًا وعقولًا إلى ما أفاض الله سبحانه وتعالى  عليهم من علمه وحلمه.

ولذلك كانت الطبيعة الدموية لهم والصفراوية لليهود والبلغمية للنصارى ولذلك غلب على النصارى البلادة وقلة الفهم والفطنة وغلب على اليهود الحزن والهم والغم والصغار، وغلب على المسلمين العقل والشجاعة والفهم والنجدة والفرح والسرور وهذه أسرار وحقائق إنما يعرف مقدارها من حسن فهمه، ولطف ذهنه، وغزر علمه وعرف ما عند الناس وبالله التوفيق.  ” زاد المعاد ” ( 4 / 379 – 381 ).

وقد أثنى الرسول صلى الله عليه و سلم على الصحة بل وقدمها على المال.

عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عمه قال: ”  كنا في مجلس فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه أثر ماء فقال له بعضنا نراك اليوم طيب النفس فقال أجل والحمد لله ثم أفاض القوم في ذكر الغنى فقال لا بأس بالغنى لمن اتقى والصحة لمن اتقى خير من الغنى وطيب النفس من النعيم “. رواه ابن ماجه ( 2141 ) وأحمد ( 22076).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” برقم ( 1741 ).

فيكون المراد من الرياضات البدنية للنجدة والنصرة عن دين الله وعن حرماته وعن حدود الله وذودًا عن حياض المسلمين.

وإن لم يكن ذلك فأقل القليل أنه يكون فيه كسب له في الدنيا وحماية له من عدو أو يستخدم بدنه لجلب الكسب في المعيشة والرزق ويكون سببًا له ليأكل من عمل يده. عن المقدام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما أكل أحد طعاما قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده “. رواه البخاري (1966).

عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه “. رواه البخاري ( 1968 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة