ملتزمة ومتعلقة بشاب تقول إنها لن تتزوج غيره إن لم يوافق أهلها عليه!
السؤال
شاب في الكلية ، تقدم لفتاة ملتزمة إلى حدٍّ كبير ، وهي لا تريد أن تفعل حراماً، لكنها تشعر أنها موافقة على هذا الشاب ، ولكن الوقت غير مناسب لإخبار الأهل ، وإنهم غالباً غير متفهمين ، وسيرفضون مقابلة الشاب أصلا ، هل تعلقها النفسي بهذا الشاب دون علم أهلها جائز ؟ ولو أن أحداً آخر تقدم لها لن توافق بسببه ، مع العلم أنه لا يحدث تواصل بينهما غير تقدمه لها ، وسؤاله عن كيفية الوصول لأهلها .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
الالتزام درجات ، وكثيراً ما تردنا أسئلة فيها بيان أحوال ملتزمين نأسف أنهم يحسبون أنفسهم منهم ، وفي بعضها تقصير في جوانب الالتزام والاستقامة ، وفي بعضها الآخر مطابقة اللفظ للواقع ، فنسأل الله العفو والمعافاة في الدين والدنيا .
والأخت المسئول عنها يقال إنها ” ملتزمة إلى حد كبير ” ! ثم نرى أنها تدرس في كلية مختلطة مع الرجال ، ونرى شابّاً تقدَّم إليها مباشرة لخطبتها ، لا إلى أهلها ، ثم هي تريد هذا الشاب بعينه حتى لو تقدَّم لها غيره ممن هم أحسن ديناً وخلُقاً ! فأي التزام هذا ؟! وإلى حدٍّ كبير أيضاً ؟! .
ولا بدَّ من التنبيه ها هنا على هذا الأمر المهم ، وهو أن الالتزام الحقيقي هو الانقياد لأحكام الشرع ، وعدم اتباع الهوى ، وليس الالتزام – فقط – ثوباً قصيراً لرجل ، وثوباً طويلاً لامرأة ، وهذا هو – للأسف – ميزان بعض الناس في الحكم على نفسه ، أو على غيره ، وهو مدى التزامه بالثوب ، واللحية ، والخمار ، ولسنا نهوِّن من هذا ، ولكنه ليس هو الالتزام كله ، إنما هو بعض الالتزام .
ثانياً:
والواجب على ذلك الشاب إذا كان جازماً بالخِطبة أن يذهب إلى أهلك ووليك لطلبك منه ، فإما أن يوافقوا عليه ، أو لا يفعلون ، فإن وافقوا كانت علاقتكما شرعية بعدها ، وإن لم يفعلوا : فلا يحل له وله المحادثة أو المراسلة .
وأما قضية التعلق به دون غيره : فنحن نعجب منها ، وقد تكرر هذا من سائلات كثيرات ، وواضح أنه تفكير بعاطفة ليس تفكيراً بالعقل ، وهذا يؤكد عظم تشريع الله تعالى بجعل الولاية في النكاح للأولياء من الرجال ، فهم أقدر على معرفة من يصلح للتزوج ممن لا يصلح ، وهم لا يفكرون بعاطفتهم كما تفعل المرأة ، وها هي صورة حية أمامنا : فأي شيء تعرفه الأخت المسئول عنها عن ذاك الشاب حتى لا تتزوج غيره ؟ وماذا فيه من صفات جعلتها تقدمه على من يتقدم لها من أهل الخلق والدين ؟ وأي شيء فيه يستحق أن تظل عزباء بلا زوج من أجله ؟ فنحن فعلا في تعجب بالغ ، إن هذه الأمور لا تكون إلا ممن يُعرف حق المعرفة ، ويكون كذلك مجرَّباً ، وهو متصور من زوج سابق حالت ظروف بينه وبين استمرار الزواج – مثلاً – ، أما أن يكون هذا يصدر من أجنبية في حق أجنبي عنها لا تعرفه ، ولم تجربه زوجاً ، ولا تعرف من جربه زوجاً : فهذا من العجائب أن يصدر من امرأة يُزعم أنها ملتزمة ، وإلى حدٍّ كبير ! .
فالواجب على هذه الشابة قطع الطريق أمام كيد الشيطان ومكره ، ولتعلم أن الشيطان لن يتركها لتكبت مشاعرها في قلبها وتكتفي بذلك ، فإن له من الطرق والوسائل ما يجعلها تضعف أمام واقع عدم قدرة ذلك الشاب على التزوج بها ليوقعها في مخالفات شرعية ، نسأل الله أن يحفظها منه .
ثم إن الدنيا لم تخل من صالحين ، مستقيمين على أمر الله ، وهي لا تدري ماذا يريد الله من صرفه عنها – إن كان هذا هو الواقع – ، فكم أحب المرء شيئاً وكان فيه شرٌّ كبير ، وكم كره شيئاً وجعل الله فيه خيراً كثيراً ، قال تعالى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ من الآية 216 ، وقال تعالى : ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) النساء/ من الآية 19 .
فعلى ذلك الشاب إن أرادها زوجة أن يتقدم لطلبها من أهلها ، وعليها أن تعلم أنه لا يحل لها في حال رفض أهلها أن تبقى متعلقة به ، ومن باب أولى أنه لا يجوز لها رفض الخطَّاب بعده من أهل الدين والصلاح ، وعليها أن ترضى بما قدّره لها ، وله سبحانه الحكمة البالغة فيما يقدِّر ، ولتعلم أن مكائد الشيطان كثيرة ، وأن بقاءها بلا زوج له آثار سيئة ، ومفاسد كبيرة ، وهي بتركها للتزوج تخالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وتخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي قال : ( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى ) رواه البخاري ( 4776 ) ومسلم ( 1401 ) .
وهو مع كل ما سبق قد يكون واجباً عليها ، وخاصة أن عندها من الرغبة ما تسعى بها للتزوج بذلك الشاب ، وعندها من المشاعر ما تكتمه في قلبها ، فهنا يكون الزواج واجباً إن تقدَّم لها من لا يُرفض مثله ، وحكمها في ذلك كحكم الرجال ، لا فرق .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
النكاح باعتبار ذاته : مشروع ، مؤكَّد في حق كلِّ ذي شهوة ، قادر عليه ، وهو من سنن المرسلين ، قال الله تعالى : ( ولقد أرسلنا رسولا من قبلك و جعلنا لهم أزواجا وذرية ) الرعد/ 38 ، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .
ولذلك قال العلماء : ” إن التزويج مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة ” ؛ لما يترتب عليه من المصالح الكثيرة ، والآثار الحميدة .
وقد يكون النكاح واجباً في بعض الأحيان ، كما إذا كان الرجل قوي الشهوة ، ويخاف على نفسه من المحرم إن لم يتزوج ، فهنا يجب عليه أن يتزوج لإعفاف نفسه ، وكفها عن الحرام .” الزواج ” ( ص 2 ، 3 ) .
وينظر نصيحة من الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حول مبادرة الشباب والشابات للزواج ، وما فيه من المصالح وما في تركه من المفاسد.
كما أننا ننصح ولي أمر الفتاة المسئول عنها أن لا يمانعوا من تزويجها لذلك الشاب إن رأوا فيه ديناً وصلاحاً ، وأن لا يؤخروا زواج ابنتهم ، لا بحجة الدراسة ، ولا بحجة العمل ، ولا بغير ذلك .
ثالثاً:
ونرجو تنبيه الأخت المسئول عنها إلى العواقب التي يمكن أن تترتب على تركها للزواج إن لم يتيسر لها أمر التزوج من ذلك الشاب فلعلها تصحو من غفلتها ، ومن تلك العواقب :
- أنها تكون محلاًّ للأقاويل والشائعات ، وهذا موجود في كثير من المجتمعات ؛ حيث تتهم بأبشع التهَم إن لم يكن يُدرى سبب عدم تزوجها .
- ما يمكن أن يحصل من مضاعفات على بدنها ، وخاصة ضعف رحمها ، وهو ما يترتب عليه عدم الإنجاب ، أو ضعف فرصه لو أنها تزوجت في سن متأخرة .
- ويترتب على تأخير الزواج : ارتفاع نسبة إصابة الجنين بالأمراض ، وذلك في حال حصل إنجاب بعد زواج في سنٍّ متأخرة .
- إدخال البؤس والنكد والهم والحُزن على أبويها ، وهو يدخل في الإيذاء المحرَّم .
وهنا يظهر حقيقة التزام تلك الفتاة إن كانت تزعم أنها كذلك ، فلا يمكن لملتزمة أن تعلم ما سبق من الأحكام ، وما ذكرناه من المفاسد والعواقب والآثار ، ثم تصرُّ مستكبرة على رأيها ، ونحن نظن بها خيراً ، وعسى أن يكون ظننا في محله .
والله أعلم.


