هل يجوز للمرأة المنتقبة أن تكون معلمة وداعية في قناة فضائية؟

السؤال

ما حكم ظهور المرأة على القنوات الفضائية لإعطاء الدروس ، كما يحدث الآن في إحدى القنوات الفضائية الإسلامية، علماً بأنها تكون بكامل حجابها – أي: منقبة – ؟.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

القنوات الفضائية الإسلامية الجادة لا شك أنها وسيلة نافعة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى , وليست كل قناة تدعي أنها إسلامية فهي كذلك ؛ لأن منها ما تجاوز الحد في كثرة المخالفات الشرعية ، من ظهور النساء في برامج مع الرجال ، ومن الصدح بالمعازف ، وبعضها أدخل التمثيليات والمسلسلات العربية ! وهذا كله عدا عما تحتويه بعض          برامجها من محتويات فاسدة ، كعرض قطعيات الشريعة للمناقشة ، والتصويت!.

ثانياً:

لا بأس أن تقوم المرأة بالدعوة إلى الله تعالى ، والتعليم ، وتدريس القرآن ، لكن على أن يتم ذلك في بنات جنسها ، ومراعاة الضوابط الشرعية.

ثالثاً:

الأصل في تعليم أحكام الشرع أن يكون الرجل هو المعلِّم ، والمبيِّن ؛ لما جعل الله تعالى له من القيام بمنصب إمامة الناس ، والفتيا ، والقضاء ، وغير ذلك .

وخروج المرأة على القنوات الفضائية لدعوة عموم الناس : مخالف لهدي نساء المؤمنين ، فإذا كانت صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد الكعبة ، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف ترى تلك المرأة الداعية ! في بروزها للدعوة ليراها الملايين أنه خير لها عند ربها من دعوة النساء وتعليمهن في بيتها – مثلاً – بعيداً عن رؤية الناس لها !؟ .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِي بَيْتِهَا ) . رواه أبو داود ( 570 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود”.

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ ) . رواه أبو داود ( 567 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود”.

هذه قاعدة الصلاة بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيها أن بيت المرأة خير لها لو كانت تعلم ذلك ، لكنها لا تعلم، لذلك تستأذن زوجها في الخروج إلى المسجد.

قال شمس الحق العظيم آبادي – رحمه الله – :

( وبيوتهن خير لهن ) : أي : صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك , لكنهن لم يعلمن ، فيسألن الخروج إلى المساجد ، ويعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر ، ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل : الأمن من الفتنة , ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج ، والزينة . ” عون المعبود ” ( 2 / 193 ) .

ولتطبق هذه القاعدة على دعوة المرأة ، وتعلمها ، وتعليمها ، فإن لم يكن في بيتها : ففي بيت غيرها من النساء ، وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم مع النساء عندما طلبن منه يوماً يتعلمن فيه ، فواعدهن في بيت إحداهن ، ولم يواعدهن في المسجد ! ولذلك أنكر الشيخ الألباني رحمه الله ما تفعله بعض الداعيات من تجميع النساء في المساجد ، فكيف يكون الأمر لو كان خروج تلك الداعية في ” مقر فضائية ” يعج بالرجال ؟! وكيف يكون الأمر لو علم أنه لا بد لها من التعامل مع الرجال حتى تبث دعوتها ، وتعليمها ؟! .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَ نِسْوَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ فِي مَجْلِسِكَ مِنْ الرِّجَالِ فَوَاعِدْنَا مِنْكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ قَالَ مَوْعِدُكُنَّ بَيْتُ فُلَانٍ وَأَتَاهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلِذَلِكَ الْمَوْعِدِ . رواه أحمد ( 12 / 313 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2680 ) .

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

وأمَّا ما شاع هنا في دمشق في الآونة الأخيرة من ارتياد النساء للمساجد في أوقات معينة ليسمَعْن درساً من إحداهن ، ممن يتسمَّون بـ ” الداعيات ” زعمن ! : فذلك من الأمور المحدثة ، التي لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا في عهد السلف الصالح ، وإنما المعهود أن يتولى تعليمهن العلماء الصالحون ، في مكان خاص ، كما في هذا الحديث ، أو في درس الرجال حجزة عنهم في المسجد إذا أمكن ، وإلا غلبهن الرجال ، ولم يتمكنَّ من العلم ، والسؤال عنه ، فإن وجد في النساء اليوم من أوتيت شيئاً من العلم ، والفقه السليم المستقى من الكتاب والسنَّة : فلا بأس من أن تعقد لهن مجلساً خاصّاً ، في بيتها ، أو بيت إحداهن ، ذلك خير لهن ، كيف لا ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاة الجماعة في المسجد : ( وبيوتهن خير لهن ) ؟! ، فإذا كان الأمر هكذا في الصلاة التي تضطر المرأة المسلمة أن تلتزم فيها من الأدب والحشمة ما لا تكثر منه خارجها ، فكيف لا يكون العلم في البيوت أولى لهن ؟! لا سيما وبعضهن ترفع صوتها ، وقد يشترك معها غيرها ، فيكون لهن دوي في المسجد قبيح ذميم ، وهذا مما سمعناه ، وشاهدناه ، مع الأسف .

ثم رأيت هذه المحدَثة قد تعدت إلى بعض البلاد الأخرى ، كعمَّان ، مثلا ، نسأل الله السلامة من كل بدعة محدثة  .” السلسلة الصحيحة ” ( 6 / 179 ) .

رابعاً:

ولنا مع خروج المرأة المنتقبة على القنوات الفضائية تنبيهات مهمة ، منها :

  1. أنه يلزم من ظهورها في الفضائيات : خروجها من بيتها ، وتعرضها للاختلاط مع الرجال , من مصور ، ومخرج للبرنامج ، وغيرهم , ممن لهم دور في إخراج حلقات برنامجها , وهذا بحد ذاته اختلاط قبيح ؛ إذ فيه محادثة ، واقتراب أجساد ، وهو مناف للأصل الشرعي وهو قرار المرأة في بيتها ، وبعدها عن أماكن وجود الرجال .
  2. وفي ظهورها على الفضائيات : تعريضها للسخرية ، والاستهزاء بها خاصة ، وبعموم المنتقبات عامة ، وسيكون برنامجها وقتاً للتسلية للمستهزئين بالشرع .
  3. عدم تناسب بعض البرامج مع النقاب ، كمن خرجت على قناة فضائية بنقابها لتدرِّس النساء التجويد ! وهي محتاجة في تدريسها لإظهار الشفتين ، واللسان ، فصار تدريسها لذلك العلم مع حجابها الكامل ناقصاً ، غير مؤدٍ لمقصوده .
  4. ثمة ضعف واضح في أولئك النسوة في التعليم ، كما هو مشاهَد ، وإذا كان الطبخ الذي تقوم به المرأة في بيتها قد أتقنه الرجال في الفضائيات ، فكيف الأمر بالدعوة والتعليم ؟! .
  5. يُخشى أن يكون فعلها هذا مقدمةً للتنازل عن النقاب ، كما فعله بعض المذيعين ومقدمي البرامج من تخفيف لحيته ، وقصها ؛ ليتناسب وجهه – في زعمه – مع الإعلام ! ، وكما فعلته إحدى مقدمات البرامج الدينية ، حتى تحولت إلى قناة فاسدة ، والمسلم مأمور بالابتعاد عن مواطن الفتنة ، وخاصة النساء فإن الفتنة بهن ، ولهنَّ : أشد من الرجال .
  6. الزعم بأن المرأة أعلم بمشكلاتها ، وأقدر على طرح قضاياها : غير صحيح ، فقد ثبت للعالَم أجمع أن الرجل هو الأقدر على ذلك ، والأعلم ؛ لمخالطته لصنوف من الناس ، ووقوفه على ما لم تقف عليه المرأة ، ثم لو فرض أنها الأعلم بمشكلاتها ، والأقدر على طرح قضاياها : فليست هي الأقدر على حلها ! وهذا مشاهد ، ومعلوم ، من خلال النظر في مواقع الاستشارات ، والفتاوى ، والفرق بين أجوبة النساء ، والمشايخ والعلماء والمختصين : واضح ، وجلي .
  7. ليس ثمة داعٍ لتقديم رسالة للغرب أن المرأة عندنا لها مكانتها ، وأنها تشارك الرجال في أعمالهم ، فالغرب لن يرضى بمتحجبة ، فضلاً عن منقبة ، وإنما نقدم رسالة الإسلام للغرب بما عليه المسلمات من العفاف ، والحشمة ، وهي ملكة في بيتها ، أرأيتم ملكة مقدمة برامج ؟! .
  8. أن في هذا الخروج لأولئك النساء في القنوات : مساهمة في دعاوى ما يسمَّى ” تحرير المرأة ” ، والمراد بالتحرير : التحرر من القيود الشرعية ، وإطلاق الحبل على غاربه .

ولما سبق كله : لا نرى جواز خروج المرأة في قناة فضائية ، ولو كانت بحجابها الكامل ، ولو لم يكن في عملهن إلا الاختلاط بالرجال لكان كافياً في منعه ، فكيف وقد انضاف إلى ذلك أشياء أُخَر ؟! .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة