رد الفتاة التحية على من تشك فيه

السؤال

أنا فتاة شابة وقد حصلت على وظيفة للتو في متجر، لأنني اضطررت لذلك.  وفي هذا المتجر، فإن هناك عمال رجال يعملون في الإدارات الأخرى.  ومؤخرا، فقد وضعني أحدهم في حالة جعلتني أشعر بعدم الارتياح. ومنذ تلك الحادثة، فقد رأيته مرة واحدة فقط في المتجر وقد ألقى علي التحية “السلام عليكم”.  وأنا أريد أن أعرف: هل يجب علي رد السلام عليه، أم يجوز لي أن أتجاهل ذلك؟  والسبب من سؤالي هو أني أشعر بعدم الراحة وهو [ وأنا ]  بمقربة منه، وأنا لا أعرف نواياه، أو أن ردي لتحيته قد تفهمه أني أشعر بالراحة وأنا قريبة منه.  وأيضا، هل من الواجب عموما على الفتاة الشابة أن ترد التحية على غير المحرم إذا كانت تخاف من أن يغريه ذلك؟  أو يحثه على ملاحقتها. وجزاك الله خيرا.

الجواب

الحمد لله

بالنسبة لعمل المرأة فقد ذكر العلماء المحققون أن هذا على خلاف ما يريده الشرع من الحفاظ على المرأة على عرضها وعلى كرامتها .

وهذه الضرورة التي أشارت إليها السائلة تختلف ما بين نظرتها ونظرة من هو عالم بالشرع ، إذ ليس كل من ظن نفسه أنه في ضرورة أنه كذلك .

لكن على فرض أنها كذلك ، وأن عملها في ذلك المتجر كان للضرورة ، فإننا ننصح الأخت السائلة أن لا تذيب الحواجز التي بينها وبين من معها من الموظفين ، ذلك أن هذا الأمر منها يجرؤهم عليها في أكثر مما تظنه . وما قالته الأخت السائلة يؤكد كلامنا هذا ، فإذا بدأ هذا الموظف بالسلام وأجابته فإن الأمر سيتطور إلى السؤال عن صحتها ، إلى تناول الطعام إلى الخلوة ..الخ من اتباع خطوات الشيطان .

وإذا نظرنا إلى أقوال العلماء وجدناهم يفرقون في الأحكام بين المرأة الكبيرة والشابة ، فيمنعون الثانية من بعض الأحكام ما لا يفعلونه مع المرأة الكبيرة ، وذلك مثل السلام والتشميت في العطاس .

أ. قال أبو الوليد الباجي :

قال يحيى سئل مالك هل يسلم على المرأة ؟ فقال : أما المتجالة فلا أكره ذلك وأما الشابة فلا أحب ذلك  .

الشرح  : معنى ذلك – والله أعلم – أن المتجالة الهرمة لا فتنة في كلامها ولا يتسبب به إلى محظور بخلاف الشابة ؛ فإن في مكالمتها فتنة ، ويتسبب به إلى المحظور ، والسلام عليها يقتضي ردها وذلك من باب المكالمة وأصل هذا أن السلام شعار الإسلام شرع إفشاؤه عند لقاء كل مسلم ممن عرفت وممن لم تعرف إلا أن يمنع منه ما يخاف من الفتنة والتعريض للفسوق كما منع من الرؤية بمثل ذلك وأمر بالحجاب . وقد روى أبو الخير عن عبد الله بن عمر : ” أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ” .

( مسألة ): ولا بأس أن تجلس المتجالة عند الصانع لبعض حوائجها ولا ينبغي ذلك للشابة ، قال مالك : ويمنعهن من ذلك ويضربهن عليه . ” المنتقى شرح الموطأ ” لأبي الوليد الباجي ( 7 / 281 ) .

ب. قال ابن مفلح الحنبلي :

السلام سنة عين من المنفرد ، وسنة على الكفاية من الجماعة ، والأفضل السلام من جميعهم ولا يجب إجماعا ، ونقله ابن عبد البر وغيره ، وظاهر ما نقل عن الظاهرية وجوبه . وذكر الشيخ تقي الدين أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره ، ..

وعلى امرأة أجنبية غير عجوز وبرزة ، فلو سلمت شابة على رجل رده عليها كذا قال في ” الرعاية ” ولعله في النسخة غلط ويتوجه : لا ، وهو مذهب الشافعي ، وإن سلم عليها لم ترده عليه .

وقال ابن الجوزي : إذا خرجت المرأة : لم تسلم على الرجل أصلا ، انتهى كلامه .

وعلى هذا : لا يرد عليها ، ويتوجه احتمال مثله عكسه مع عدم محرم ، وهو مذهب الكوفيين …

وقال حرب لأحمد : الرجل يسلِّم على النساء ؟ قال : إن كن عجائز فلا بأس .

وقال صالح : سألت أبي : يسلم على المرأة ؟ قال : أما الكبيرة فلا بأس ، وأما الشابة فلا تستنطق .

فظهر مما سبق أن كلام أحمد الفرق بين العجوز وغيرها .  ” الآداب الشرعية ” ( 1 / 333 ، 334 ) .

ج. وقال أيضاً :

 قال ابن تميم : لا يشمِّت الرجلُ الشابَّةَ ، وقال في” الرعاية الكبرى ” : للرجل أن يشمِّت امرأةً أجنبيةً ، وقيل : عجوزاً وشابة برزة ولا تشمته هي وقيل : لا يشمتها .

وقال السامري : يكره أن يشمت الرجل المرأة إذا عطست ولا يكره ذلك للعجوز .

وقال ابن الجوزي :  وقد روِّينا عن أحمد بن حنبل أنه كان عنده رجل من العبَّاد فعطست امرأة أحمد فقال لها العابد : يرحمكِ الله ، فقال أحمد رحمه الله : عابد جاهل ، انتهى كلامه .

وقال حرب قلت : لأحمد الرجل يشمت المرأة إذا عطست ؟ فقال : إن أراد أن يستنطقها ويسمع كلامها فلا ؛ لأن الكلام فتنة ، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتهن …

وقال القاضي : ويشمت الرجل المرأة البرزة ويكره للشابة .

وقال ابن عقيل : يشمت المرأة البزرة وتشمته ولا يشمت الشابة ولا تشمته .

وقال الشيخ عبد القادر : ويجوز للرجل تشميت المرأة البرزة والعجوز ويكره للشابة الخفرة .

فظهر مما سبق أنه هل يشمت المرأة إذا لم يُرِد أن يسمع كلامها أم لا ويشمتها ؟ على روايتين ، وأكثر الأصحاب على الفرق بين الشابة وغيرها وسبقت نصوصه في التسليم عليها مثل هذا ، ولا فرق ، وسبق أن صاحب ” النظم ” سوى بين التسليم والتشميت ، وقيل : يشمت عجوزا أو شابة برزة ومن قلنا : يشمتها فإنها تشمته وعلى ما في ” الرعاية ” لا . ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 342 ) .

د. قال المرداوي :

قال الإمام أحمد رحمه الله – في رواية صالح – : يسلم على المرأة الكبيرة ، فأما الشابة : فلا تنطق .

قال القاضي : إنما قال ذلك من خوفه الافتتان بصوتها .

– وأطلقهما في المذهب .

وعلى كلا الروايتين : يحرم التلذذ بسماعه ، ولو بقراءة ، جزم به في ” المستوعب ” ، و ” الرعاية ” ، و” الفروع ” ، وغيرهم .

قال القاضي : يمنع من سماع صوتها ، وقال ابن عقيل في ” الفصول ” : يكره سماع صوتها بلا حاجة . ” الإنصاف ” ( 8 / 32 ) .

هـ .  قال السيوطي :

ومنها : هل يحرم على الأجانب تعزية الشابة ؟ لا تصريح بذلك في كتب الرافعي ، والنووي ، وابن الرفعة، وذكر أبو الفتوح في أحكام الخناثى: أن المحارم يعزونها ، وغير المحارم يعزون العجوز دون الشابة .

قال الإسنوي : ومقتضاه التحريم . ” الأشباه والنظائر ” ( ص 241 ) .

وبعد ، فالذي ننصح به السائلة هو العمل في مكان شرعي – إذا كان لا بد من العمل – وأن لا يكون عملها مع الرجال الأجانب ، فإن كان ولا بد فعليها أن تتقي الله تعالى في الحديث والخلطة معهم ، وقد قرأتْ كلام العلماء في كلام الطاعة كالسلام والتشميت والتعزية ، فغير ذلك من الكلام أولى أن تمنع نفسها منه ، وأن تمنع غيرها من الحديث به .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة