ما حكم من يفشي الأسرار؟
السؤال
ما حكم من يفشي الأسرار؟
ماذا قيل في القرآن والسنة عن الشخص الذي يكشف سرّاً استأمنه عليه آخر؟
الجواب
الحمد لله
الأسرار من الأمانات ، وهي كذلك من العهود التي يجب الحفاظ عليها ، ومعاقبة الذين يفشونها ، فيخونون الأمانة ، وينقضون العهد.
قال الله سبحانه وتعالى : { ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم . إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } [ الحجر / 16 – 18 ] .
فهذه الآية الكريمة تنبهنا إلى أمرين مهمين :
أولا : ضرورة استعمال الحيطة في صيانة الأسرار وبذل الوسع في حفظها عمن يتطلع إلى الوصول إليها سواء كانت أسراراً شخصية ، أو أسراراً متعلقة بشئون الدولة ؛ فإن الله وضع حرساً شديداً لحفظ أسرار السماء من الشياطين .
ثانياً : مشروعية وضع العقوبة الرادعة للمعتدين ممن يسعون إلى الوصول إلى الأسرار ؛ لأن الله جعل جزاء الشياطين الساعية إلى سماع أسرار السماء رميها بالشهب المعدَّة لها .
وإذا كان الحفاظ على السر واجب : فإن إفشاء السر حرام ؛ لأنه يؤدي إلى ضرر ، فإن اختيار سريَّته دليل على أن إفشاءه فيه ضرر ، والضرر ممنوع شرعاً ، كما أن إفشاءه يكون خيانة حيث يكون السر أمانة ، ويكون غدراً بالعهد وعدم وفاء بالوعد ، والله سبحانه حرم الخيانة ، وحرم الغدر ، وعدم الوفاء .
وقد أسرَّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وحفصة بحديث وائتمنهما عليه ، فأظهرا سرَّه صلى الله عليه وسلم ، فعاتبهما الله تعالى على ذلك .
قال تعالى : { وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزوجه حديثا فلمَّا نبأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعض فلمَّا نبأها به قالت مَن أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } [ التحريم / 3 ] .
ثم قال تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صَغَت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } [ التحريم / 4 ] .
ومن السنة النبوية نجد الترهيب من نشر سر الزوجية ، وجعله من أشر الناس عند الله منزلة .
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرَّها ” .
رواه مسلم ( 1437 ) . وفي رواية أخرى عند مسلم ( 1437 ) :
” إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ” .
ومعنى ” من أعظم الأمانة ” أي : من خيانة الأمانة .
ومن وصايا العرب للعروس : ولا تفشي له سرّاً ، فإنك لو أفشيتِ سرَّه ، أوغَرتِ صدرَه.
وسر البيوت لا ينبغي أن يفشى ، وقد كان العقلاء وأهل الدِّين يوصون صاحب السرِّ بعدم إفشائه ، لا أنهم يكيدون للوصول إليه .
عن ثابت عن أنس قال : أتى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان ، قال :
فسلَّم علينا ، فبعثني إلى حاجة فأبطأتُ على أمي ، فلمَّا جئتُ قالت : ما حبسك ؟ قلت : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ، قالت : ما حاجته ؟ قلت : إنها سر ، قالت : لا تحدثنَّ بسرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً .
قال أنس : والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك يا ثابت . رواه مسلم ( 2482 ) .
وإفشاء الأسرار من علامات النفاق ، إذ يدخل في خيانة الأمانة ، وغدر العهد ، وإخلاف الوعد المعقوديْن بلسان الحال أو المقال.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” أربع مَن كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر “.
رواه البخاري ( 34 ) ومسلم ( 58 ) .
والله أعلم.


