مدى طموح المسلم في الدنيا
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يا أخي، رأيت بعض إجاباتك على الأسئلة، حيث ذكرت بأن المسلمين عليهم أن يقوموا بضروريات الحياة فقط، وقد أشكل ذلك علي. إلى أي حد يمكن للمسلم أن يكافح لتحقيق النجاح في هذه الحياة؟ هل تقدم لنا كتابا حول هذا الموضوع على موقعك هذا؟ وجزاك الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
يمكن إجمال ما أراده الأخ السائل والإجابة عليه في هذه النقاط التالية :
- لا نعلم بالضبط مكان كلامنا الذي أشرت إليه .
- لا يستطيع أحد كائناً من كان أن يحرم ما أحل الله من السعي في الأرض والتكسب والأكل والشرب والسكن والزواج وغيرها .
- لم يأت الإسلام إلا بما فيه صلاح العالَم ، ولا يقوم بالناس صلاح إذا ابتعدوا عن توحيد الله تعالى والقيام بما أوجبه عليهم .
- لم يكن هديه صلى الله عليه وسلم التعلق بالدنيا ولا الالتفات إلى ملذاتها ، ولو أراد ورغب لكانت كنوز الأرض بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وهذه طائفة من أحاديث صلى الله عليه وسلم ، وفيها بيان هديه وصفة عيشه صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية المجردة :
أ . عن أبي هريرة قال : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض.
رواه البخاري ( 5059 ) – واللفظ له – ومسلم ( 2976 ) .
ب. عن أبي حازم قال : سألت سهل بن سعد فقلت : هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقيَّ ؟ فقال سهل : ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقيَّ من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله ، قال : فقلت : هل كانت لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل ؟ قال : ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله ، قال : قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول ؟ قال : كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه فأكلناه . رواه البخاري ( 5097 ) .
النقي : الطحين المنخول .
ج. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق آل محمد قوتا . رواه البخاري ( 6095 ) ومسلم ( 1055 ) .
د. عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ قالا : الجوع يا رسول الله ، قال : وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا ، فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين فلان ؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء ، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك والحلوب ، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق ، وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم . رواه مسلم ( 2038 ) .
هـ . عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود ، فأرسلَ إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء … رواه البخاري ( 3587 ) ومسلم ( 2054 ) .
و. عن عائشة قالت:كان وسادة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يتكئ عليها من أدم حشوها ليف . رواه البخاري ( 6091 ) ومسلم ( 2082 ) .
أدم : جلد مدبوغ .
وهذا كان هدي أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان ، وهذه باقة من سير بعضهم :
أ. عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال : أتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوما بطعامه فقال : قتل مصعب بن عمير وكان خيراً مني ، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، وقتل حمزة – أو رجل آخر – خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي . رواه البخاري ( 1215 ) .
ب. عن عامر بن سعد قال : كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب فنزل فقال له : أنزلتَ في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ فضرب سعد في صدره فقال : اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي . رواه مسلم ( 2965 ) .
- ولا يعني هذا البتة أن لا يشتغل الإنسان بشيء من أمور الدنيا ، أو أننا نحرم ذلك عليه ، بل المراد من بياننا أن يعلم الإنسان لِمَ خُلِق ، ويعلم أن الدنيا فتنة لما فيها من الزينة ، وأنها قد تكون سببَ خسارته ثواب الله تعالى وجنته ، ولذلك كان يرغب صلى الله عليه وسلم أمته بالتقلل من أمورها وأن يكون المسلم فيها كالغريب أو المسافر وهما من يخف متاعه في طريقهم للوصول إلى غايتهم وبيوتهم وهي هنا الجنة .
أ. عن عقبة بن عامر قال : صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال : إني فرطكم على الحوض وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم . قال عقبة : فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر . رواه البخاري ( 1279 ) ومسلم ( 2296 ) .
ب. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل .
وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . رواه البخاري ( 6053 ) .
- والإسلام فيه نماذج كثيرة ممن أبدعوا في مجالات متعددة من جوانب الحياة ، كالطب والهندسة والعمارة والحساب ، وفي عصرنا الحاضر نبغ الكثير في الفيزياء والرياضيات والكمبيوتر والذرة وغيرها .
ولم يكن اشتغال الكثير منهم في هذه الجوانب عائقاً أمام أن يكون أحدهم عالماً بالتوحيد ، عارفاً لما أمر الله به ونهى عنه .
- وهذه بعض أقوال أهل العلم في بيان حقيقة الدنيا والمال وما ينبغي أن يكون موقف المسلم منهما :
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ، ولا يأخذه بإشراف وهلع ، بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج إليه من غير أن يكون له في القلب مكانة ، والسعي فيه إذا سعى كإصلاح الخلاء .
وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره ” من أصبح والدنيا أكبر همه : شتت الله عليه شمله ، وفرَّق عليه ضيعته ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبح والآخرة أكبر همه : جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ” .
وقال بعض السلف : أنت محتاج إلى الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما .
قال الله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } . ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 663 ) .
- وقال ابن القيم :
لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:
نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم حال الظفر بها وغم وحزن بعد فواتها فهذا أحد النظرين .
النظر الثاني : النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا فهي كمال الله سبحانه والآخرة خير وأبقى فهي خيرات كاملة دائمة وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة .
فإذا تم له هذان النظران : آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه ، فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل ، فإذا آثر الفاني الناقص : كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل ، وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة ، فإن الراغب في الدنيا الحريص عليه المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى ، وإما أن لا يصدق بذلك ، فإن لم يصدق بذلك : كان عادماً للإيمان رأساً ، وإن صدَّق بذلك ولم يؤثره : كان فاسد العقل سيئ الاختيار لنفسه ، وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه .
فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان ، وإما من فساد في العقل ، وما أكثر ما يكون منهما .
ولهذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها وعدوها سجناً لا جنةً فزهدوا فيها حقيقة الزهد ، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ولوصلوا منها إلى كل مرغوب ، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها ، وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها ، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر ، وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل .
قال النبي : ” ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب قالَ – أي : نام وقت القيلولة – في ظل شجرة ثم راح وتركها ” ، وقال : ” ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع ” ، وقال خالقها سبحانه : { إنما مثل حياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ، فأخبر عن خسة الدنيا وزهَّد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها .
وقال تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } ، وقال تعالى : { اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } وقال تعالى : { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله وعنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } ، وقال تعالى: { وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } .
وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال : { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } .
وعيَّر سبحانه من رضى بالدنيا من المؤمنين فقال:{يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}.
وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة .
ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون } ، وقوله { ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم } ، وقوله{ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } ، وقوله تعالى { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } ، وقوله { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} وقوله { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال ان لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } ، وقوله { يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } .
والله المستعان وعليه التكلان . ” الفوائد ” ( ص 94 – 96 ) .
والله الهادي.


