الحكَم الجليلة في تشريع تحريم الزنا

السؤال

عندي صديق يحاول أن يفهم لماذا حُرِّم الزنا ! كلانا يتصفح هذا الموقع ، لكن كل ما وجدناه هو أن هناك نصوصاً من الكتاب والسنَّة تخبرنا بعدم ارتكاب الزنا ، وأن العقوبة تنتظرهم ، على أية حال : هل يمكنكم أن تبيِّنوا حكم عدم ارتكاب الزنا ؟ هل هناك أي مثال في القرآن يبين سبب جعله حراماً ؟ هناك أسباب واضحة مثل قطع البنية الاجتماعية ، وإيجاد نساء مومسات ، لكن هل هناك أي قصة في القرآن والحديث ؟ . جزاكم الله خيراً .

الجواب

الحمد لله

لعلك لم تجد في موقعنا ذِكر أسباب تحريم الزنا ، أو الحكمة من ذلك التشريع: لأننا لم نعتقد أننا بحاجة لذكر ذلك ؛ لعلم الناس جميعاً بهذه الحكَم ، نعم ، قد يتفاوتون في المعرفة ، لكن لم نرَ أحداً يشكك في هذا التحريم ، أو يتلمس الحكم منه ؛ لأنه لا يخفى على عاقل ، ومنكر ذلك والمعترض عليه : إنما يحكم على نفسه بالبهيمية ، والدياثة ؛ لأن معنى إنكاره لتحريمه : أنه يجعل زوجته ، وأخته ، وابنته ، وأمه : متاعاً للناس ، وسلعة مجانية ! ولأننا لم نجد أحداً في العالَم ينكر تحريمه ومنعه : لم نحتج لذكر ذلك في موقعنا .

ومع هذا كله فليس بضائر أن نذكر بعض الحكَم في تحريم الزنا ؛ فلعلَّ الله تعالى أن يجعل ذلك سبيلاً لتركه ممن يفعله ، وأن يعلم من لا يفعله عظيم حكمة الله تعالى في تحريمه .

ومن هذه الحكَم والأسباب :

  1. موافقة هذا التحريم للفطرة التي فطر الله الناس عليها ، من الغيْرة على العرض ، وليست بعض البهائم بأولى من الإنسان العاقل بهذا المنع والتحريم ، وقد ثبت في صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال : رأيت في الجاهلية قرداً زنا بقردة ، فاجتمع القرود عليهما ، فرجموها حتى ماتا ! .

والمشاهدات في البهائم والطيور أكثر من أن تُحصر ، فالإنسان أولى بأن يغار على عرضه ، ولا يجعله سلعة رخيصة أو مجانية للناس .

  1. اختلاط الأنساب ، فمن أباح الزنا فإنما يبيح إدخال ما ليس من صلبه في أسرته وعائلته ، فتراه يشفق على ولده ، ويرحمه ، ويغذيه ، ويربيه ، وينظر إلى أخواته – إن كان ذكراً – ويختلي بهنَّ ، ويشارك إخوته في الميراث : وهو مع هذا كله ليس ولداً له ! ولا شقيقاً لهم ! إنما هو من ماء سفاح ، من زانٍ زنى بامرأته ! فمن يرضى هذا لنفسه إلا أن يكون أحمق ، أو أخرق ؟! .
  2. والزنا يُفسد البيوت ويدمرها ، فمن عشقت أجنبيّاً ، ورضيت بأن يزني بها : فإنه لا يؤمن أن تبقى مع زوجها ، بل وُجد من ضحت بزوجها ، وبيتها ، وأولادها ، بسبب كلام معسول من ذئب بشري ، فكيف إن رأت منه أكثر من الكلام ؟! ومن العلوم في واقع البشر : أن المرأة لا تستطيع أن تعيش مع رجلين ، بخلاف الرجل ، ولهذا شُرع التعدد للرجال ، دون النساء ، وهذا أمر واقع ومشاهد ، ففي النهاية ستختار أحد الرجلين ، وإن اختارت الزاني : فإنها تكون أفسدت بيتها ، وهدمته بيديها .
  3. الحماية من الأمراض ، ولم يعد يخفى ما تعانيه كثير من الشعوب الإباحية من أمراضٍ خطيرة ، وأعظمها : ” الأيدز ” ، وهو ما أفنى ملايين الناس ، وما يزال الملايين مصابين به ، ولم يجد أحد علاجاً له إلى الآن ، وفي عام 1427 هجري ، الموافق 2006 م بلغ عدد المصابين بهذا المرض : 45 مليون شخصاً ، وقد مات بسببه : 20 مليون فرداً ، وحوالي 301 مليون فرداً نتيجة لأسباب مرتبطة بذلك المرض ، ، ويعتبر الأيدز السبب الرئيس للوفاة في أفريقيا ، والسبب الرابع للوفاة على مستوى العالم.

وأي عاقل يرضى لنفسه ، أو لأمه ، أو لأخته ، أو لابنته أن تصاب بهذا المرض ، فتكون منبوذة ، مهجورة ، مهانة ، في مجتمعها ، فضلاً أن يرضى أن يكون حتفها بسببه ؟! .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ؛ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ : لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ، إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا !! وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ . وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا . وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ . وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ!! ) رواه ابن ماجه ( 4019 )، وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

  1. المحافظة على كرامة المرأة ؛ فإن إباحة الزنا يعني سلب كرامة المرأة ، وجعلها سلعة مهانة ، والإسلام جاء لإكرام الناس ، وبخاصة المرأة ، بعد أن كانت في الجاهلية متاعاً يورَث ، ومحلاًّ للإهانة والتحقير .

وليُعلم أن الزنا لم تبحه الشرائع السماوية السابقة ، ولا هو مرضي عند أهل الفطَر السليمة ، والعقول الناضجة ، بل لم تُعرف الدعوة إلى إباحة الزنا إلا عند من انتكست فطرهم ، وتلوثت عقولهم ، بل حتى الغرب الكافر لا يرضى أحد من أهله أن تتخذ زوجته عشيقة من أحد ، بل ولا العشيق يرضى أن تكون معشوقته عشيقة لغيره معه ، وكم حصل من قتل جرَّاء هذا ، وإنما إباحة الزنا جاءت من حفنة خسيسة ، ليس لهم أهل ، ولا بنات ، ولا زوجات ، فهم عالة على المجتمعات ، ووصمة عار في الشعوب .

قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – :

ولمَّا كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد ، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب ، وحماية الفروج ، وصيانة الحرمات ، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس ، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه ، وبنته ، وأخته ، وأمه ، وفي ذلك خراب العالم : كانت تلي مفسدة القتل في الكبَر ، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه ، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سننه – كما تقدم – ، قال الإمام أحمد : ” ولا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنا ” ، وقد أكد سبحانه حرمته بقوله ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) الآية ، فقرنَ الزنا بالشرك ، وقتل النفس ، وجعل جزاء ذلك : الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين ، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة ، والإيمان ، والعمل الصالح ، وقد قال تعالى ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ، فأخبر عن فُحشه في نفسه ، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول ، حتى عند كثير من الحيوانات ، كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال : رأيت في الجاهلية قرداً زنا بقردة ، فاجتمع القرود عليهما فرجموها حتى ماتا . ” الجواب الكافي ” ( ص 105 ) .

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة