وجد في جهاز حاسوب أخيه الملتزم أفلام خلاعية فكيف يتصرف معه

170662
وجد في جهاز حاسوب أخيه الملتزم أفلام خلاعية فكيف يتصرف معه ؟
السؤال :
أخي أكبر مني بعامين ، والمفترض أنه ملتزم من سنوات ، وقد تعرض للأذى من ” أمن الدولة ” بسبب لحيته أكثر من مرة ، وينظر إليه في المنطقة التي نسكن فيها على أنه من أفضل الناس التزاما ، حتى أنا كنت أثق فيه ثقة كبيرة جدّاً ، فوجئت من قرابة شهر أن جهاز الكمبيوتر مليء بالأفلام الإباحية والمناظر المقززة ، لا أخفي عليكم مقدار الصدمة التي صدمتها ، قمت بمسحها وكتبت له آيات قرآنية وأحاديث ( قل للمؤمنين يغضوا …) ، ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ..) ، وحديث ( .. إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) وهكذا ، ولكني لا أستطيع التعامل معه بود كما كنا ولا أمازحه كعادتنا ، فكلما تذكرت هذه المناظر القذرة ( معذرة ) يغلي الدم في عروقي ويصيبني الخوف أن أقع في مثل ما وقع فيه ، صارحته مرة فألقى باللوم عليَّ وقال إن طريقتي في التعامل معه خاطئة ولو كان إنسانا سيئاً لكان انقلب على عقبيه وأني ما أردت بهذه الآيات التي كتبتها إلا أن أسبه وأن غضبي هذا لنفسي وأنه سيحل مشكلته بنفسه ، ومنذ هذا اليوم لا أجد شيئا على الجهاز ، ولكن هناك بعض التصرفات التي تثير شكوكي ، المشكلة أنني في تخبط شديد لاأدري كيف أتعامل معه ؟ ماهي مسئوليتي تجاهه ؟ هل أخبر أهلي أم أستر عليه ؟ هل أقطع الانترنت من البيت ؟ هل أراقب جهازه وهاتفه ؟ أفيدوني بما آتاكم الله من العلم حتى لا أقصر في حقه عليَّ ولاأصنع شيئاً أحاسب عليه أمام الله .

الجواب:

الحمد لله
نشكر لك – أخانا السائل – على غيرتك الحميدة على دينك ، وعلى حرصك على أخيك ، وحزنك على ما وصلت إليه حاله ، كما نشكرك على طلبك النصح والتوجيه منا ونسأل الله أن يوفقنا ويسددنا في ذلك ، ونلخص لك ما نريد في نقاط ، فنقول :
1. اعلم أنه لا يسعك غير الستر على أخيك ، ولا يحل لك فضحه بما فعل أمام أحدٍ من الناس ؛ لأن معصيته لم تكن علنية ، ولما قد يؤدي فضحه إلى تصرف غير لائق منه تجاه نفسه بإصراره على معاصيه أو تجاهك بإيقاع الأذى أو الضرر عليك .
عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ) .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا .
رواه أبو داود ( 4888 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
فالرب تعالى ستِّير يحب الستر ويجازي عليه خيراً ، وهو يستر على عباده المذنبين في الدنيا ويغفر الذنوب لهم في الآخرة .
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
رواه البخاري ( 2310 ) ومسلم ( 2580 ) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
رواه مسلم ( 2590 ) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ ، فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، أَيْ رَبِّ . حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ ( فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .
رواه البخاري ( 2441 ) ومسلم ( 2768 ) .
والستر على العصاة فعل الكبار العقلاء ، فقد روى عبد الرزاق في ” مصنفه ” ( 10 / 227 ) عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه قولَه ” لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه ” .
وقال الوزير ابن هبيرة رحمه الله ” اجتهد أن تستر العصاة ؛ فإن ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام ، وأوْلى الأمور ستر العيوب ” .
2. وسترك على أخيك معصيته لا يعني عدم الإنكارعليه فيما فعله ، بل الإنكار عليه ونصحه ووعظه هو واجب آخر عليك غير سترك عليه .
قال ابن حجر – رحمه الله – :
قوله ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً ) أي : رآه على قبيح فلم يظهره أي : للناس ، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه .
” فتح الباري ” ( 5 / 97 ) .
3. ويتعين عليك الستر على أخيك لأنه من أهل الاستقامة والخير ، وهؤلاء ممن يحرص الشيطان أشد الحرص على الإيقاع بهم في المعاصي ، وفي فتنة هؤلاء فتنة لكثيرين ممن يحبونه ويقدرونه ويثقون به ، ولذا جاءت الشريعة بالحرص على الستر على هؤلاء أكثر من غيرهم ، وهو – كما ذكرت عنه – إنما كانت الأفلام الخلاعية في جهازه الخاص ، فهو ليس ممن يُعلن فجوره ولا ممن يدعو الناس إلى الموبقات .
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 169 ) :
أجمع العلماء على أن من اطلع على عيب أو ذنب أو فجور لمؤمن من ذوي الهيئات أو نحوهم ممن لم يُعرف بالشر والأذى ولم يشتهر بالفساد ، ولم يكن داعيا إليه ، كأن يشرب مسكراً أو يزني أو يفجر متخوفاً متخفيّاً غير متهتك ولا مجاهر : يندب له أن يستره ، ولا يكشفه للعامة أو الخاصة ، ولا للحاكم أو غير الحاكم ؛ للأحاديث الكثيرة التي وردت في الحث على ستر عورة المسلم والحذر من تتبع زلاته ، ومن هذه الأحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم ( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) – متفق عليه – وفي رواية ( سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ ) – رواه مسلم – وقوله صلى الله عليه وسلم (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ ) – رواه أبو داود وصححه الألباني – .
انتهى
4. ولا يجوز لك بعد نصحه البحث والتفتيش في جهازه ؛ لأسباب ، منها :
أ. أن هذا من التجسس المذموم ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ) الحجرات/ 12 .
ب. وهو من اتباع العورات المحرَّم ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عنه قَالَ : صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ : ( يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ : لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ) .
رواه الترمذي ( 1955 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .
ج. ولأن هذا مما قد يؤدي إلى فتنتك أنت ! ومن يستطيع ضمان نفسه إنه إن رأى مثل تلك الأفلام أن لا تؤثر عليه سلباً ؟! فقد تكون البداية البحث عنها للإنكار على صاحبها فيؤدي به الأمر إلى الافتتان بها ، فأنت قد أدَّيت ما عليك من النصح والوعظ فلا تتبع جهازه وهاتفه للبحث عما فيه من المنكرات ويسعك ما أديت تجاهه .
5. ونرجو أن يكون منك مساهمة في تقوية إيمان أخيك كأن تحفظ معه القرآن ، وتطلب معه العلم الشرعي ، وتشجعه على حضور حلقات العلم ، وتقوي علاقاته بطلبة العلم والدعاة ، وخاصة أن وضع البلد عندكم قد تغيَّر ولم يعد الأمر كما كان من حيث وجود من يخيفه ويعيقه عن الالتزام والاستقامة .

والله أعلم

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة