ما حكم السكن مع من يشرب الخمر ويؤخر الصلوات؟
السؤال
يوجد رجل يشرب الخمر ولا يصلى الفجر إلا قبل ذهابه للعمل وفي غيرها من الأوقات مثل العصر والمغرب والعشاء لا نراه في المسجد ولا نعلم أنه يصلى في البيت ويصلى الجمعة فما حكم السكن معه ؟
الجواب
الحمد لله
المسألة فيها تفصيل وتفريع :
– فننظر إلى من يساكنه فإما أن يكونوا من أهل الصلاح والعمل مع حصانة من العلم ووفرة من تعاطي الدعوة والقيام بها.
– وإما أن يكونوا على ضعف من العلم والعمل .
فأما إن كانوا من الأولين ولا سيما مع كثرة عددهم وكان هذا الشارب – هداه الله – ممن فيه بوادر الخير والصلاح وغلب الظن على أنه إن دعي إلى الله تعالى أجاب داعي الله : جازت مساكنته ، بل وقد تجب .وأما إن كان من يريد مساكنته ممن لا يأمن على نفسه الانحراف ومتابعة هذا الرجل على ضلالته: فمساكنته فساد وظلم فلا تجوز .
أما القوم الذين هم في الحالة الأولى فنشترط عليهم الاجتهاد على دعوته وعدم الفتور خشية أن يتطاول بهم الزمان ثم ما يلبثوا إلا وقد أقروه على ما فعل وألفوا معصيته ، هذا إن لم يشركوه فيها .
وينبغي أن تكون هذه الفترة وجيزة ، وتكون في بضع أيام ولا تطول على ذلك ، تكفي لقيام الحجة عليه وهدايته إن كان ممن يريد الهداية ، وألا تكون شهوراً أو سنين طويلة خارجة عن المألوف الذي يصلح لمثل هذا ، فتكون بتقدير دقيق وميزان حساس وبحكمة قويمة ، ثم من بعد ذلك فاعمل بالذي ترجح لديك من هذا .
* وهذا الذي قلناه هو سبيل الصالحين ودأب العاملين الذين أحبوا توبة العاصي أكثر مما أحبوا فساده:
قال البخاري: باب : الانبساط إلى الناس : وقال ابن مسعود : ” خالط الناس ودينك لا تَكْلِمَنه ” .
” صحيح البخاري ” ( 5 / 2270 ) . ومعنى تكلمنه : أي : تخدشونه وتجرحونه .
قال ابن حجر :
وهذا الأثر وصله الطبراني في الكبير … عن ابن مسعود قال : ” خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم لا تكلمُنه . ” فتح الباري ” ( 10 / 526 ) .
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم “. رواه ابن ماجه ( 4032 ). وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6651 ) .
قال البيهقي :
وكل ذلك في مسلم لا يمنعه مخالطة الناس ومعاشرتهم من عبادة الله تعالى وإخلاص العمل لله عز وجل ، فإن كان ذلك يمنعه منه وإذا عزلهم اشتغل بالعبادة وتفرغ لها فاعتزالهم والاشتغال بالعبادة أولى ، والله أعلم.” الزهد الكبير ” ( 2 / 110 ) .
وأما إن لم ينفع اللين والخلطة الحسنة في ردعه عن غيّه وتهافته في معاصي الله تعالى فنبذه وهجره وعدم مساكنته ومخالطته أولى ، وبعض خلق الله يؤذيه الحق ولا يزيده سماعه إلا أشرا وبطرا واستكبارا وعنادا فقلبه لا ينفعه أمر بمعروف ولا نهي عن منكر .
قال الفضيل بن عياض :
من خالط الناس لا ينجو من إحدى اثنتين : إما أن يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل ، أو يسكت إن رأى منكراً ، أو يسمع من جليسه شيئا فيأثم فيه . ” كتاب الزهد الكبير ” ( 2 / 96 ) .
وقال ابن تيمية :
فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله ، ويدل على ذلك الحديث الذي في السنن : ” لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ” ، وفيها: ” المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ” . ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 327 ) .
وقال العلامة ابن القيم :
وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة ويجعل الناس فيها أربعة أقسام متى خلط أحد الأقسام بالآخر ولم يميز بينهما دخل عليه الشر :
أحدها : من مخالطته كالغذاء لا يستغني عنه في اليوم والليلة فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة ثم إذا احتاج إليه خالطه هكذا على الدوام ، وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر ، وهم العلماء بالله تعالى وأمره ومكايد عدوه وأمراض القلوب وأدويتها الناصحون لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولخلقه فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله .
القسم الثاني : من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته وهم من لا يستغني عنه مخالطتهم في مصلحة المعاش وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم من القسم الثالث .
القسم الثالث : وهم من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه فمنهم من مخالطته كالداء العضال والمرض المزمن وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا ومع ذلك فلا بد من أن تخصر عليه الدين والدنيا أو أحدهما فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت فهي مرض الموت المخوف ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضربا عليك فإذا فارقك سكن الألم ومنهم من مخالطته حمى الروح وهو الثقيل البغيض العقل الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به فهو يحدث من فيه كلما تحدث ويظن أنه مسك يطيب به المجلس وإن سكت فأثقل من نصف الرحا العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض.
ويذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال : ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر .
ورأيت يوما عند شيخنا قدس الله روحه – يعني ابن تيمية – رجلا من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعف القوى عن حمله، فالتفت إليَّ وقال : مجالسة الثقيل حُمى الربع ، ثم قال : لكن قد أدمنتْ أرواحنا على الحمى فصارت لها عادة أو كما قال.
وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى للروح فعرضية ولازمة ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب وليس له بدّ من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا .
القسم الرابع : من مخالطته الهلاك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء وما أكثر هذا الضرب في الناس – لا كثرهم الله – وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سنة رسول الله الداعون إلى خلافها الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فيجعلون البدعة سنة والسنة بدعة والمعروف منكرا والمنكر معروفا إن جردت التوحيد بينهم قالوا تنقصت جناب الأولياء والصالحين وإن جردت المتابعة لرسول الله قالوا أهدرت الأئمة المتبوعين. “بدائع الفوائد”(2/498–499).
والله أعلم.


