العمل خارج المنزل للرجل وداخله للمرأة ( نقاش حول عمل المرأة ).
السؤال
أرجو أن تساعدني في نقاش حصل بيني وبين شخص ما حول ما يقوله الإسلام بأنّ مكان الرجل خارج المنزل للعمل ومكان المرأة هو البيت؟
– أرجو أن تذكر الأدلة على هذا من القرآن والسنة.
الجواب
الحمد لله
- الحكمة في مشروعية العمل المشروع: تحصيل الإنسان ما يوفر له أسباب العيش من طعام وشراب ولباس وسكن ونحو ذلك، فإذا توفر للإنسان ذلك كله: كان العمل في حقه مباحا.
والمرأة مكفية المؤونة؛ لأنّ نفقتها على زوجها إن كانت ذات زوج، وعلى أبيها إن كانت غير ذات زوج إن كانت غير ذات مال، وينتقل الوجوب من الأب إلى الأخ إن لم يكن لها أب؛ لذا فالعمل في حق المرأة مباح ابتداءً.
- وهذا المباح للمرأة لا يجب أن يزاحم المندوب ولا الواجب – من باب أولى – ، وواجبات المرأة المنزلية كثيرة منها: القيام بأعمال البيت وما تتطلبه الحياة الزوجية والوفاء بحق الزوج، ولا يمكنها – عادة وغالبا – القيام بالعمل المباح لها خارج البيت إلا على حساب التفريط بهذه الواجبات والتقصير في أدائها إن لم نقل في إهمالها.
- وعليه: فالأصل في عمل المرأة خارج البيت هو المنع والحظر، والعبرة بالغالب لا بالنادر.
- وإذا كان الأصل في عمل المرأة خارج البيت هو المنع والحظر: فإنّ الجواز هو الاستثناء إذا اقتضت الضرورة ذلك؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات.
- وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية ما يدل على ذلك:
أ. ومنه قوله تعالى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } [ القصص / 23 ].
* قال البيضاوي: { وأبونا شيخ كبير }: كبير السن، لا يستطيع أن يخرج للسقي، فيرسلنا اضطرارا. ” تفسير البيضاوي ” ( 4 / 289 ) .
* وقال الآلوسي: { وأبونا شيخ كبير }: إبداء منهما للعذر له عليه السلام في توليهما للسقي بأنفسهما، كأنّهما قالتا: إنّا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم وما لنا رجل يقوم بذلك، { وأبونا شيخ كبير السن } قد أضعفه الكبَر فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء.
” روح المعاني ” ( 20 / 60 ).
ب. عن أسماء بنت أبي بكر قالت: تزوجَني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنتُ أعلف فرسَه، وأكفيه مئونته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز لي جارات من الأنصار وكن نسوة صدق، قالت: وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي على ثلثي فرسخ، قالت: فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه فدعاني ثم قال: إخ إخ ليحملني خلفه، قالت: فاستحييت وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقتني. رواه البخاري ( 4926 ) ومسلم ( 2182 ).
– أغرز غربه: أخيط الدلو الكبيرة.
* قال ابن حجر:
والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت في حال ضرورة كما تقدم فلا يطَّرد الحكم في غيرها ممن لم يكن في مثل حالهم. ” فتح الباري ” ( 9 / 324 ).
- وإذا جاز للمرأة العمل: فإنّ الأوْلى أن يكون عملها داخل بيتها، فإن لم يتيسر إلا العمل خارج المنزل فإنّه يجب أن لا يكون في حرام ولا أن تكون بيئة العمل فيها حرام مثل الاختلاط والخلوة.
باختصار من ” المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم ” ( 4 / 265 – 276 ).
- وهذه بعض فتاوى العلماء في هذا الباب:
* قال الشيخ عبد العزيز بن باز:
لا ريب أنّ الإسلام جاء بإكرام المرأة والحفاظ عليها وصيانتها عن ذئاب بني الإنسان, وحفظ حقوقها, ورفع شأنها فجعلها شريكة الذكر في الميراث وحرم وأدها, وأوجب استئذانها في النكاح, وجعل لها مطلق التصرف في مالها إذا كانت رشيدة, وأوجب لها على زوجها حقوقا كثيرة, وأوجب على أبيها وقراباتها الإنفاق عليها عند حاجتها, وأوجب عليها الحجاب عن نظر الأجانب إليها لئلا تكون سلعة رخيصة يتمتع بها كل أحد، قال تعالى في سورة الأحزاب: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أظهر لقلوبكم وقلوبهن }، وقال سبحانه في السورة المذكورة: { يا أيها النّبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } وقال تعالى في سورة النور: { قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنّ الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ولْيضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن }.
وأما عمل المرأة مع زوجها في الحقل والمصنع والبيت فلا حرج في ذلك وهكذا مع محارمها إذا لم يكن معهم أجنبي منها, وهكذا مع النساء, وإنّما المحرم عملها مع الرجال غير محارمه ؛ لأنّ ذلك يفضي إلى فساد كبير وفتنة عظيمة كما أنه يفضي إلى الخلوة بها وإلى رؤية بعض محاسنها والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها, ودرء المفاسد وتقليلها, وسد الذرائع الموصلة إلى ما حرم الله في مواضع كثيرة, ولا سبيل إلى السعادة والعزة والكرامة والنجاة في الدنيا والآخرة إلا بالتمسك بالشريعة، والتقيد بأحكامها, والحذر مما خالفها, والدعوة إلى ذلك والصبر عليه وفقنا الله وإياكم وسائر إخواننا إلى ما فيه رضاه وأعاذنا جميعا من مضلات الفتن إنه جواد كريم . ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” (4/308 – 310).
والله أعلم.


