كيف نفرق بين لباس الكفار وغيرهم؟

السؤال

أريد أن أعرف شيء عن لباس الرجل والمرأة، سمعت أنه يجب ألا نتشبه بزي الكفار؛ لذلك ما نوع الملابس التي يطلق عليها زي الكفار؟ هل النساء مسموح لهن ارتداء على سبيل المثال ساريس “فستان هندي” تحت الجلباب وأمام محارمنا مع الأخذ في الاعتبار أن كثير من المسلمات يعشن هناك ويرتدينه أيضاً، أريد أن أعرف حيث في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ارتدى الصحابة أثواباً طويلة حيث كان هذا هو زي العرب غير المسلمين أيضاً؛ لذلك ألا يعتبر هذا تقليد للكفار؟ وهل السراويل تعتبر من ملابس الكفار؟ وماذا عن الفساتين حيث أن الكافرات يرتديهن؟ وشكراً مقدماً.

الجواب

الحمد لله:

أولاً:

الذي يُمنع منه المسلمون من التشبه بالكفار هو ما كان مما يختص بالكفار ولا يشاركهم فيه أحد، أي: مما لا يعرف عند المسلمين والذي يكون من عاداتهم الخاصة بهم، أما إذا كان المسلمون يلبسون زياً واشتهر عندهم وشاركهم الكفار به فلا يحرم على المسلمين.

عن البراء رضي الله عنه قال:” أمَرَنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع: عيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونهانا عن سبع عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق والمياثر الحمر”. رواه البخاري ( 5500 ) ومسلم ( 2066 ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله – في بيان حكم المياثر الحمر، وهي ما يفترشه الناس مما يجلسون عليه -:

وإن قلنا النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة والله أعلم.  ” فتح الباري ” ( 10 / 307 ).

ومن الحِكَم في منع المشابهة للكفار: حتى لا يؤثر ذلك على باطن المتشبه، لأن الذي يتشبه بالقوم من الخارج فإن ذلك يؤثر فيه من الداخل حتى يكاد يرى نفسه ذات المشبه به، ولكي يتميز المسلم من الكافر ثم لا يهان المسلم ولا يعظم الكافر.

وفي مثل هذا يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – مبيناً حال الذين يلبسون الزنانير في  الوسط  -: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” من تشبه بقوم فهو منهم”، قال شيخ الإسلام رحمه الله: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.

إذاً فلا يُقتصر على الكراهة فقط لأننا نقول: إنّ العلة في ذلك أن يشابه زنار النصارى فإن هذا يقتضي أن نقول: إنه حرام؛ لقول الرسول صلى عليه الله وسلم : ” من تشبه بقوم فهو منهم”، وليس المعنى أنه كافر، لكن منهم في الزي والهيئة، ولهذا لا تكاد تفرق بين رجل متشبه  بالنصارى في زيِّه ولباسه وبين النصراني، فيكون منهم في الظاهر.

قالوا: وشيء آخر وهو: أن التشبه بهم في الظاهر يجر إلى التشبه بهم في الباطن، وهو كذلك؛ فإن الإنسان إذا تشبه بهم في الظاهر: يشعر بأنه موافق لهم، وأنه غير كاره لهم ويجره ذلك إلى أن يتشبه بهم في الباطن، فيكون خاسراً لدينه ودنياه فاقتصار المؤلف على الكراهة فيما يشبه شد الزنار فيه نظر، والصواب: أنه حرام.” الشرح الممتع ” ( 2 / 192-193 ).

ونقول: أما إذا كان اللباس لا يختص بالكافرين وكان هذا لا يجعلك تظن المسلم كافراً والكافر مسلماً وكان يسهل عليك التمييز فإنه لا يعد من التشبه المحرم، وقد تكلم شيخ الإسلام عن هذا التمييز فقال:

….. التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر، ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز بل بالتمييز في عامة الهدى على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع، وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهراً وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود.

ومقصودهم من هذا التميز: كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة عن خالد بن عرفطة قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى الأمصار أن لا يجزوا نواصيهم – يعني النصارى – ولا يلبسوا لبس المسلمين حتى يُعرفوا.

وقال القاضي في مسألة حدثت في وقته: أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم؛ لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه.

قلت: وهذا فيه خلاف، هل يلزمون بالتغير أو الواجب علينا إذا امتنعوا أن نغير نحن؟ وأما وجوب أصل المغايرة: فما علمت فيه خلافاً.

وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في شروط أهل الذمة بإسناده: أن عمر كتب:” أن لا تكاتبوا أهل الذمة فيجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة أن لا يعقدن زناراتهن ويرخين نواصيهن ويرفعن عن سوقهن حتى نعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن عن ذلك فليدخلن إلى الإسلام طوعاً أو كرهاً.

وروى أيضاً أبو الشيخ بإسناده عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبان قال: دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم  كهيئة العرب، فقالوا: يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب، قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب، قال: أو لستم من وسائط العرب؟ قالوا: نحن نصارى، قال: عليَّ بجلم – المقص – فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبراً يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج واركبوا على الأكف، ودلُّو أرجلكم من شق واحد. ” اقتضاء الصراط المستقيم” ( ص 122-123 ).

إذاً من مجموع ما سبق نعلم أن المراد من ترك المشابهة للكافرين ذلك فيما يتميزون فيه ويكون علامة عليهم.

أما إذا كانت أمَّة من أمم المسلمين ترتدي زيّاً قد شاركت فيه أمة من أمم الكفر فهذا يعفى عنه ولا نطالب هذه الأمة أن تعود عما تلبس؛ لأن التميز قد يحصل بتغيير يسير، يجبرهم الوالي عليه.

فإن استطاع إجبار الكافرين فعل، وإلا غيَّر المسلمون كما سلف من كلام ابن تيمية، فإن تعسر هذا كزماننا هذا فيعفى عن ذلك كله؛ لأن التشبه الظاهر هنا لا يؤثر في الباطن، فيبقى التمييز وليس لنا قوة على الكافرين حتى نميزهم بل ولا على المسلمين.

والحالة التي ذكرتها في سؤالك عن الفستان الهندي:

نرى والله تعالى أعلم أن هذا لا يجوز؛ لأن المسلمات اللواتي يرتدينه أقل من الكافرات والمعروف عن الهند أنها بلاد كفر، والأصل مخالفتهم.

ثانياً :

أما عن زي الرسول وأنه شابه بلباسه لباس العرب، فنقول:

إن الدولة الإسلامية لما امتد رواقها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل العرب في دين الله تعالى أصبح لباس العرب علامة على لباس المسلمين لأن معظم المسلمين في حينه من العرب، وأما في أول الإسلام لما كان المسلمون قلة لم تكن هذه التشاريع قد ظهرت في بداية الدعوة حتى يميز المسلمون بها وهم قلة، وإنما بدأت الدعوة للتمييز بعد دخول كثير من العرب في الإسلام، وعندئذٍ لم يعد هذا النوع من اللباس يختص بالكافرين.

أضف إلى ذلك أن لباس العرب جاء الشرع ليوافق ما هو عليه، والأصل أن المخالفة في زي الكفار على وجهين:

  1. أن معظم زي الكفار لا يتوافق مع الأحكام الشرعية للُبس المسلمين من حيث ضيق اللباس أو كيفية صنعه.
  2. أن المشابهة لزي الكفار إنما تكون في حال أن يلبس الإنسان كامل لباسهم الذي عُرفوا به، فإن لبس بعضه – كـ” الجاكيت ” مثلاً – فلا حرج في ذلك.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة