حكم المعانقة بين الرجال والمردان
السؤال
بالنسبة لموضوع الالتزام ( الحضن ) ، كثير من الإخوة يقومون بحضن إخوانهم في مناسبات مختلفة سواء العودة من السفر أو عند الفراق الطويل، فهل هناك ضابط لهذا الفعل؟ وما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؟.
والبعض يفعل هذا الفعل مع الأحداث في السن ، فما الحكم في هذا؟ بالإضافة إلى موضوع السلام والتقبيل على الجبين ما حكم فعله مع الأحداث وصغار السن (المرد)؟.
الجواب
الحمد لله
أولاً :
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز المعانقة بين الرجل والرجل ، وخاصة إذا قدم أحدهما من سفر ، أو طال غيابهما ، وخالف في ذلك الإمام مالك فمنع منها ، وجعل ما روي في ذلك خاصّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وناظره في قوله سفيان بن عيينة فسكت الإمام مالك ، وفي ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 6 / 140 ) جملة من الآثار عن الصحابة والتابعين في جواز المعانقة.
وما جاء من النهي عن المعانقة عند اللقاء فيرد عليه من وجهين:
ضعف الوارد في ذلك ، أو حمله على العناق من غير حاجة ، والتنبيه إلى ما هو أفضل وهو المصافحة .
فقد جاء عن أنس بن مالك قال : قال رجل : يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال : لا ، قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا ، قال : أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم . رواه الترمذي ( 2728 ) وحسَّنه وابن ماجه ( 3702 ) .
وفي لفظ آخر : عن أنس بن مالك قال : قلنا : يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض ؟ قال : لا ، قلنا : أيعانق بعضنا بعضا ؟ قال : لا ، ولكن تصافحوا . رواه الترمذي (3702 ) . وحسنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 5 / 75 ) .
لكن الصواب أنه ضعيف ، إذ في إسناده ” حنظلة بن عبيد الله السدوسي ” ، قال الذهبي في ” ميزان الاعتدال ” ( 2 / 397 ) : قال يحيى القطان : تركته عمداً كان قد اختلط ، وضعَّفه أحمد وقال : منكر الحديث يحدث بأعاجيب , وقال ابن معين : ليس بشيء تغير في آخر عمره , وقال النسائي : ليس بقوي , وقال – مرة – : ضعيف .
وللفائدة : فإن الشيخ الألباني – رحمه الله – أقرَّ بضعف إسناد الحديث ، لكنه جاء بشواهد لتقويته ، وقد ذكر – رحمه الله – أن الشواهد ليس فيها النهي عن الالتزام والمعانقة ، لذا فإنها تبقى على ضعفها حتى مع تقوية باقي الألفاظ .
قال – رحمه الله – :
نعم ، لقد تبيَّن من إعادة النظر في الشواهد التي سقناها له تقويةً لحديثه أنه ليس فيها قوله ” ولا يلتزمه ” ، ولذلك بدا لي حذفه من متن الحديث في هذه الطبعة ، وأشرت إلى ذلك بالنقط ( … ) . ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 300 ) .
وقال :
وأما الالتزام والمعانقة : فما دام أنه لم يثبت النهي عنه في الحديث – كما تقدم – : فالواجب – حينئذٍ – البقاء على الأصل ، وهو الإباحة ، وبخاصة أنه قد تأيَّد ببعض الأحاديث والآثار … – وذكر بعضها – . ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 301 ) .
ولو صحَّ النهي عن المعانقة : فإنه يحمل على دوام المعانقة ، وعلى كونه عند اللقاء المجرد ، ويدل عليه قولهم ” الرجل منا يلقى أخاه ” .
قال السّندي – في ” شرح سنن ابن ماجه ” على هامش السنن – :
قوله ” أيعانق بعضنا بعضا ” أي : على الدوام ؛ فلذا قال : ” لا ” ، وإلا فالمعانقة أحيانا إظهاراً لشدة المحبة قد جاء ، والله أعلم .
وقال الشيخ الألباني – بعد أن ضعَّف جملة النهي عن الالتزام ، وصحَّح التزام الصحابي ابن التيِّهان للنبي صلى الله عليه وسلم في حديقته في الحضر – :
ولكن هذا إنما يدل على الجواز أحياناً ، وليس على الالتزام والمداومة كما لو كان سنَّة ، كما هو الحال في المصافحة، فتنبَّه. ” السلسلة الصحيحة ” ( 6 / 305 ) .
وقد كان فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : المصافحة عند اللقاء ، والمعانقة عند القدوم من سفر أو للتهنئة وغيرها مما له سبب ، فقد روى الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 1 / 37 ) عن أنس رضي الله عنه قال : ” كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا ” ، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 2719 ) .
بل ويجوز أن يعانق الرجل أخاه في الحضر تعبيراً له عن حبِّه له في الله ، أو بسبب طول غيبته عنه ، وقد صحَّ – كما قال الشيخ الألباني – التزام ابن التيِّهان للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه إلى حديقته. انظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 302 ).
وقال ابن مفلح الحنبلي :
وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تدينا وإكراما واحتراما مع أمن الشهوة , وظاهر هذا عدم إباحته لأمر الدنيا ، واختاره بعض الشافعية ، والكراهة أولى . ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 259 ) .
وقال البغوي :
فأما المكروه من المعانقة والتقبيل : فما كان على وجه الملق والتعظيم ، وفي الحضر ، فأما المأذون فيه : فعند التوديع ، وعند القدوم من السفر ، وطول العهد بالصاحب ، وشدة الحب في الله .
– ومن قبَّل فلا يقبِّل الفم ، ولكن اليد والرأس والجبهة . ” شرح السنة ” ( 12 / 293 ).
ثانياً :
وما ذكرناه من جواز المعانقة : إنما هو إذا كان بين الرجل والرجل ، أو المرأة والمرأة بشرط الأمن من الشهوة ، ولا يجوز أن يكون بين الرجل والمرأة ، ولا بين الرجل والشاب الأمرد .
قال النووي :
وأما تقبيل الرجل الميت والقادم من سفره ونحوه فَسُنَّة , وكذا معانقة القادم من سفر ونحوه , وأما المعانقة وتقبيل وجه غير القادم من سفر ونحوه غير الطفل فمكروهان صرح بكراهتهما البغوي وغيره وهذا الذي ذكرنا في التقبيل والمعانقة أنه يستحب عند القدوم من سفر ونحوه ومكروه في غيره هو في غير الأمرد الحسن الوجه فأما الأمرد الحسن فيحرم بكل حال تقبيله سواء قدم من سفر أم لا والظاهر أن معانقته قريبة من تقبيله وسواء كان المقبل والمقبل صالحين أو غيرهما …
” المجموع ” ( 4 / 478 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بالأمرد ولمسه والنظر إليه ، حرام باتفاق المسلمين كما هو كذلك في المرأة الأجنبية . ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 543 ) .
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 131 ) .
لا يجوز للرجل تقبيل فم الرجل ، أو يده ، أو شيء منه , وكذا تقبيل المرأة للمرأة , والمعانقة ، ومماسَّة الأبدان , ونحوها , وذلك كله إذا كان على وجه الشهوة , وهذا بلا خلاف بين الفقهاء .
والله أعلم.


