حكم جعل النبي صلى الله عليه وسلم وسيطًا في الدعاء

السؤال

ما حكم التوسل في الدعاء ؟ بمعنى هل يجوز ان أدعو الله بأن أقول بحق الرسول الكريم محمد عليه السلام ارزقني يا الله كذا أو كذا أو ان أدعو الله بأن يجعل رسول الله محمد وسيلتي لقبول دعائي ؟؟ الرجاء الإجابة وجزاكم الله خيرا.

الجواب

الحمد لله

ورد إلينا سؤال شبيه بهذا فنقلنا الجواب على ذاك السؤال هنا ولكن مع زيادات كثيرة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، وزيادة إيضاح وبيان :

أولاً :

لا يجوز دعاء غير الله لا في الرخاء ولا عند الشدة ، فلا يجوز كذلك دعاء الصالحين ولا الأنبياء مهما عظم شأنه ولو كان نبياً مقرباً ، أو ملكاً من ملائكة الله ؛ لأن الدعاء عبادة  والعبادة لا تكون إلا لله تعالى. عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدعاء هو العبادة”، ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} رواه الترمذي ( 2895 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 1479 )، وابن ماجه ( 3818 ).

والحديث : جوَّد إسنادَه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 1 / 49 ) .

– والعبادة لا تكون إلا لله فالدعاء لا يكون إلا لله .

وقد قال الله تعالى: { و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير . إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ولو سمعوا ما استجابوا لكم  ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } [ فاطر / 13 ] .

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ :

يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل عجزهم وضعفهم و أنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك وسماع الدعاء والقدرة على استجابته. ” فتح المجيد ” (  ص 158 ) .

ولذا أخطأ البوصيري في البردة حين قال :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به      سواك عند حلول الحادث العمم

و خطَّأه في ذلك كبار العلماء :

 قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على كتاب ” فتح المجيد ” بشأن ” بردة البوصيري ” :

وحذرنا النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه البخاري و مسلم : ” لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فأنا عبد الله ورسوله ” وإنما تعظيمه وحبه باتباع سنته وإقامة ملّته ودفع كل ما يلصقه الجاهلون بها من الخرافات ، فقد ترك أكثر الناس هذا ، وشغلوا بهذا الغلو والإطراء الذي أوقعهم في هذا الشرك العظيم . ” فتح المجيد ” ( ص 155 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :

فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين . ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 124 ) .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله :

ومِن أنواعه  – يعني الشرك – : طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل الشرك. ” فتح المجيد ” ( ص 145 ) .

ثانياً :

هذا ، ولم يُعلم أن صحابيّاً واحداً كان يستغيث بالرسول أو يدعو الرسول ولا نُقِلَ عن عالمٍ يُحتجّ بقوله إلا ما كان مِن خرافات المنحرفين .

وأما ما قد يظنه بعض الناس من جواز التوسل بغير الله تعالى في قصة عمر بن الخطاب مع العباس التي سنوردها فهذا جهل عقيم ، وإليك الرواية والكلام عليها :

عن أنس : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال : فيسقون ” . رواه البخاري ( 964 ) .

فلا يفهمن أحد من هذا أن الصحابة كانوا يجعلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة لهم في الدعاء فيلحون إليه بالدعاء ويستجيب لهم ، كما أنه لا يظن أحد بأنهم كانوا يدعون الله فيجعلون النبي واسطة بينهم وبين الله تعالى كأن يقولوا : اللهم إنا نجعل نبيك بيننا وبينك واسطة فبجاهه عندك أن ترحمنا أو تسقينا وما أشبه هذا . ولكن معنى توسلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم هنا : أي : طلبهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يدعو الله تعالى لهم ، وهذا الذي قلناه هو الذي كان معمولا به في زمن الصحابة–رضوان الله تعالى عليهم–كما سأله الرجل الذي طلب منه أن يدعو الله لما منعهم الله الغيث كما سيأتي. ويدل على هذا المعنى الذي فسرنا به الحديث رواية عبد الرزاق في المصنف:

عن ابن عباس : ” أن عمر استسقى بالمصلى فقال للعباس : قم فاستسق فقام العباس فقال : اللهم إن عندك سحابا وإن عندك ماء فانشر السحاب ثم أنزل فيه الماء ثم أنزله علينا فاشدد به الأصل وأطل به الزرع وأدر به الضرع اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا اللهم إنا شفعنا إليك عمن لا منطق له عن بهائمنا وأنعامنا اللهم اسقنا سقيا وادعة بالغة طبقا عاما محييا اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك اللهم إنا نشكو إليك سغب كل ساغب وغرم كل غارم وجوع كل جائع وعرى كل عار وخوف كل خائف في دعاء له . رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” ( 3 / 93 ) .

قال ابن حجر : 

وقد روى عبد الرزاق من حديث ابن عباس : أن عمر استسقى بالمصلى فقال للعباس : قم فاستسق فقام العباس … ، فذكر الحديث ، فتبين بهذا أن في القصة المذكورة أن العباس كان مسئولاً وأنه ينزَّل منزلة الإمام إذا أمره الإمام بذلك . ” فتح الباري ” ( 2 / 495 ) .

فتبين من هذا أن التوسل بالصالحين لا يكون إلا في حال طلب الدعاء منهم لا دعاءهم والتوسل بهم وبأشخاصهم وذواتهم . وقد كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يدعو الله تعالى لهم كما في الحديث التالي :

عن أنس بن مالك قال : ” أصابت الناسَ سِنةٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبينا النبي صلى الله عليه وسلم  يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال : يا رسول الله هلك الماء وجاع العيال فادع الله لنا ، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة ، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته  صلى الله عليه وسلم ، فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، وبعد الغد ، والذي يليه ، حتى الجمعة الأخرى ، وقام ذلك الأعرابي – أو قال : غيره – فقال : يا رسول الله تهدَّم البناء وغرق المال فادع الله لنا ، فرفع يديه فقال : اللهم حوالينا ولا علينا فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجَود ” . رواه البخاري ( 891 ) ومسلم ( 897 ) .

– القَزَعة : السحابة الخفيفة .

– الجَوْبة : الحفرة المستديرة الواسعة .

– الجَود : المطر الغزير .

ثالثاً :

ومن أشكال التوسل بهم أن تسأل الله تعالى أن يعطيك مسألتك بسبب حبك لهم فتجعل حبك لهم قربى إلى الله تعالى تسأله بها أن يمنّ بها عليك ، كأن تقول : اللهم بحبي لنبيك اقض لي حاجتي ، فهذا لا بأس به لأنه خال من الشرك ، فأنت بهذا لم تدع مع الله تعالى أحدا .

قال ابن تيمية :

إنه لو قدر أن معنى ذلك معنى التوسل بالأنبياء فالتوسل بهم الذي جاءت به الشريعة هو التوسل إلى الله بالإيمان بهم وبطاعتهم أو بدعائهم وشفاعتهم كما كان الصحابة يتوسلون بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء وغيره كما في حديث الأعمى وكما يتوسل الخلائق يوم القيامة بشفاعته وأعظم وسائل الخلائق إلى الله تعالى الإيمان بهم واتباعهم وطاعتهم ، فأما التوسل بذواتهم والسؤال بهم بدون دعائهم وشفاعتهم وطاعتهم التي يثيب الله عليها : فهذا باطل لا أصل له في شرع ولا عقل . ” الرد على البكري ” ( 1 / 186 – 187 ) .

– وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

هل يجوز التوسل بالنبي أم لا ؟

فأجاب:

الحمد لله

أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه : فهو مشروع باتفاق المسلمين ، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون به في حياته وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كما كانوا يتوسلون به . ” مجموع الفتاوى ” (1/140 ) .

وقال ابن تيمية  – رحمه الله تعالى – :

وأما التوسل بالنبي والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح . وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة:

فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء :

فأحدهما : هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل  بالإيمان به وبطاعته .

والثاني : دعاؤه وشفاعته – كما تقدم – يعني : أن يدعو الرسولُ لهم لا أنهم يدعون الرسول –  فهذان جائزان بإجماع المسلمين ، ومن هذا قول عمر بن الخطاب : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا ، أي : بدعائه وشفاعته ، وقوله تعالى:{وابتغوا إليه الوسيلة} أي : القربة إليه بطاعته ، وطاعة رسوله : طاعته ، قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } فهذا التوسل الأول هو أصل الدين وهذا لا ينكره أحد من المسلمين .

وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر : فإنه توسل بدعائه لا بذاته ، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمّه العباس ، ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائما فلفظ ” التوسل ” يراد به ثلاثة معان :

أحدها : التوسل بطاعته ، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به .

والثاني : التوسل بدعائه وشفاعته ، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته .  والثالث :  التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته ، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه ، ولا في حياته ، ولا بعد مماته ، ولا عند قبره ، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم ، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة ، أو عن من ليس قوله حجة . ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 201 – 202 ) .

أخي – في الله – اجعل الله تعالى رجاءك ووجه إليه حاجتك واترك المخلوقين فهم أحوج إلى دعاء الله تعالى منك .فإذا حزبك الأمر فقل: يا اللـــــــــه، فهو الذي يستجيب ويصرف الأمور.

فالله تعالى دعانا في القرآن لأن ندعوه وحده وأن لا نلجأ إلى أحدٍ سواه .

وكذلك لم يرد شيء من حديث رسول الله يدعو إلى التوجه إلى رسول الله ودعائه وإنما ورد عكس هذا وهو النهي عن دعاء غير الله .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة