يقرؤون أورادًا عند حصول بعض الأشياء
السؤال
* ما هو الحكم في قراءة الأوراد (غير الورد الذي يقال في الصلاة) وتكرير الناس لها مرات محددة من أجل مشكلة معينة؟
– فهذا العمل منتشر بين النساء حيث أنهن يجتمعن لقراءة “أوراد تنجينا” ألف مرة إذا وقعت مشكلة دنيوية معينة.
– وهناك أيضا أذكار تُقرأ وينفث بعدها على الماء فيشرب للتخلص من الأمراض.
* هل ما ذكر من البدع أم لا؟ أرجو أن تدلني كي أخبر الآخرين.
وجزاك الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولا:
لا يجوز إحداثُ ذِكرٍ يتعاهده المسلم، أو يوصي به غيرَه -كالأوراد والمأثورات والأدعية-، ويكفيه ما جاء في السنَّة الصحيحة في هذا، وإلا كان مبتدعا، أو داعيةً إلى البدعة، قال صلى الله عليه وسلم: ” منْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ” رواه البخاري ( 2550 )، مسلم ( 1718 )، وفي رواية “مسلم” ( 1718 ) “مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ”.
* قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
وهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ مِن أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أنَّ حديث “الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات” ميزانٌ للأعمال في باطنها، فكما أنَّ كلَّ عملٍ لا يُراد به وجهُ الله تعالى؛ فليس لعامله فيه ثوابٌ، فكذلك كلُّ عملٍ لا يكون عليه أمر الله ورسوله؛ فهو مردودٌ على عامله، وكلُّ مَن أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس مِن الدين في شيءٍ. “جامع العلوم والحكم” ( 1 / 180 ).
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
لا ريبَ أنَّ الأذكارَ والدعوات مِن أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتِّباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعيةُ والأذكارُ النبويَّةُ هي أفضل ما يتحرَّاه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمانٍ وسلامةٍ، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنها لسانٌ، ولا يحيط بها إنسانٌ، وما سواها من الأذكار قد يكون محرَّما، وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شركٌ مما لا يهتدي إليه أكثرُ النَّاسِ، وهي جملةٌ يطول تفصيلها.
وليس لأحدٍ أنْ يَسُنَّ للنَّاسِ نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادةً راتبةً يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداعُ دينٍ لم يأذن الله به … وأما اتخاذ وردٍ غيِر شرعيٍّ، واستنانُ ذكرٍ غيرِ شرعيٍّ، فهذا مما يُنهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غايةُ المطالبِ الصحيحةِ ونهايةُ المقاصدِ العليَّة، ولا يَعدلُ عنها إلى غيرها من الأذكارِ المحدَثة المبتدعةِ إلاّ جاهلٌ أو مفرِّطٌ أو متعَدٍّ. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 510 – 511 ).
* وقال أيضًا – رحمه الله -:
والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره – وإن كان من أحزاب بعض المشايخ – الأحسن له أنْ لا يفوته الأكمل والأفضل، وهي الأدعية النبوية، فإنَّها أفضلُ وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعيةِ التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ فكيف إذا كان في عين الأدعية ما هو خطأٌ أو إثمٌ أو غير ذلك؟.
ومن أشدِّ الناسِ عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثورٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان حزبا لبعض المشايخ، ويَدَعُ الأحزابَ النبويَّةَ التي كان يقولها سيِّدُ بني آدم، وإمامُ الخَلْقِ، وحجَّةُ الله على عباده. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 525 ).
ثانيا:
أما الأذكار الشرعيَّة التي تقرأ على الماء ويُنفث فيه ليشربه ويغسل به وجهه وجسمه من كان مريضا: فيجوز، لكن لا ينبغي أن يلتزم بالأذكار الواردة في السنة دون ما كان مخترعا مبتدعا.
* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
القسم الثاني: أن ينفث الإنسان بريقٍ تلا فيه القرآن الكريم مثل أن يقرأ الفاتحة – والفاتحة رقية وهي من أعظم ما يُرقى به المريض – فيقرأ الفاتحة وينفث في الماء، فإنّ هذا لا بأس به، وقد فعله بعض السلف، وهو مجرَّبٌ ونافعٌ بإذن الله، وقد كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينفث في يديه عند نومه بـ { قل هو الله أحد } و { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده – صلوات الله وسلامه عليه -.
” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 1 / 108 ).
* ومن أمثلة الرقية الشرعية من المرض الواردة في السنة:
أ. المعوذات:
عن عائشة رضي الله عنها: ” أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها “.
رواه البخاري ( 4175 ) ومسلم ( 2192 ).
ب. قول ” أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد ” سبع مرات.
عن عثمان بن أبي العاصي قال: ” جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي فقال امسح بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد، ففعلت، فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم.”
رواه النسائي في ” السنن الكبرى ” ( 6 / 248 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 3894 ).
ج. قراءة الفاتحة على مكان الألم:
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: ” انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء فقال بعضهم نعم والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقسموا فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له فقال وما يدريك أنها رقية ثم قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم “. رواه البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ).
د. قول: ” أعوذ بكلمات الله التامَّة من كل شيطان وهامَّة ومن كل عين لامَّة “
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. رواه البخاري ( 3191 ).
– الهامّة: بتشديد الميم هي كل ما له سم يقتل.
هـ . قول: “اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما”.
عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال: ثابت يا أبا حمزة اشتكيت؟ فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما. رواه البخاري ( 5410 ).
والله أعلم.


