من هم المترفون؟ ولم كان المترفون في القرآن أهل ضلال؟ وهل يدخل فيهم أغنياء المسلمين؟

السؤال

لاحظت أن كلمة ” الترف ” – المقصود بها: شدة التنعم – أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاصي الكبرى ، كالإشراك بالله ، وتكذيب الرسل … !! كما قال الله تعالى : (وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) المؤمنون/ 34 ، ( وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) هود/ 116 ، ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) سبأ/ 34 ، ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) الإسراء/ 16 ، ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ) المؤمنون/ 64 .

وبالرغم من أن رغد العيش ، والتنعم بالدنيا ، أمور مقدّرة من رب العباد ، وهي مباحة إذا أُخذت من حلها ، وهذه هي طبيعة الحياة التي خلقها الله : إذن كيف نوفق بين الآيات الواردة أعلاه وبين قوله تعالى ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) الأنعام/ 165 ، أي : بالمال ، والجاه ، وغير ذلك من أمور الدنيا المعيشية ، وكذلك قوله تعالى : ( كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) الإسراء/ 20 .

أفتونا مأجورين.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

رغد العيش ، وسعة الرزق ، والجاه ، والملك ، والسلطان ، والرفعة في الدنيا : هي من القضاء الكوني الذي قدَّره الله وقضاه ؛ وهذا القضاء الكوني لا يتعلق بمحبة الله ورضاه سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه لحكَم أرادها : يُفقر ، ويُغني ، ويُعطي ، ويَمنع ، ويُعز ، ويُذل ، ويَرفع ، ويُخفض ؛ وهذا النوع من القضاء يجري على كل الخلق ، مسلمهم ، وكافرهم .

فلا تدل سعة الرزق ، ورغد العيش ، والرفعة في الدنيا ، على محبةٍ من الله ، ورضا على العبد , ولا على عدم محبة ، وعدم رضا ، بل هي من القضاء الكوني – كما قدمنا – ، وهي  في الحقيقة للابتلاء ، والاختبار ، والامتحان ، كما قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) الكهف/ 7 ، وقال تعالى : ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) طه/ 131 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير الآية – :

أي : لا تمد عينيك معجباً ، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال الدنيا ، والممتِّعين بها ، من المآكل ، والمشارب اللذيذة ، والملابس الفاخرة ، والبيوت المزخرفة ، والنساء المجملة ، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا ، تبتهج بها نفوس المغترين ، وتأخذ إعجاباً بأبصار المعرضين ، ويتمتع بها – بقطع النظر عن الآخرة – القوم الظالمون ، ثم تذهب سريعاً ، وتمضي جميعاً ، وتقتل محبيها وعشاقها ، فيندمون حيث لا تنفع الندامة ، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة ، وإنما جعلها الله فتنةً ، واختباراً ؛ ليعلم من يقف عندها ويغتر بها ، ومن هو أحسن عملاً ، كما قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزاً ) .

– ( وَرِزْقُ رَبِّكَ ) العاجل ، من العلم ، والإيمان ، وحقائق الأعمال الصالحة ، والآجل من النعيم المقيم ، والعيش السليم في جوار الرب الرحيم .

– (  خَيْرٌ ) مما متَّعْنا به أزواجاً في ذاته وصفاته .

– ( وَأَبْقَى ) لكونه لا ينقطع ، أُكُلُها دائم ، وظلُّها ، كما قال تعالى ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ).

” تفسير السعدي ”  ( ص 516 ، 517 ) .

ثانياً:  

الغالب على أهل الترف ، والنعيم الدنيوي : الغفلة ، والانغماس في الشهوات ، والملذات , والكِبْر , والإعراض عن أوامر الله تعالى ، كما قال تعالى : ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) الشورى/ 27 .

قال ابن كثير – رحمه الله – :

أي : لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق : لحملَهم ذلك على البغي ، والطغيان ، مِن بعضهم على بعض ، أشراً ، وبطراً . ” تفسير ابن كثير ” ( 7 / 206 ) .

وقد علَم النبي صلى الله عليه وسلم خطرَ فتنة النعيم ، ورغد العيش ، وخشي على أمَّته منها ، كما جاء في  الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إِنِّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِى مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ) – رواه البخاري ( 1396 ) ومسلم ( 1052 ) – ، وربما يكون هذا النعيم – في الحقيقة – استدراج من الله للعبد ، إذا لم يستخدمه في طاعة الله ، كما جاء في الحديث عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِى الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ) ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) – رواه أحمد في ” مسنده ” ( 28 / 457 ) ، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 413 ) .

ثالثاً:

يُفهم من معنى ” الترف ” في لغة العرب : زيادة الانغماس في ملذات الدنيا ، وشهواتها ، مع طغيان ، وليس مجرد التنعم بملذات الدنيا .

قال ابن منظور – رحمه الله – :

” الترَفُ ” : التَّنَعُّمُ ، والتُّرْفةُ : النَّعْمةُ ، والتَّتْريفُ : حُسْنُ الغِذاء ، وصبيٌّ مُتْرَفٌ : إذا كان مُنَعَّمَ البدنِ ، مُدَلَّلاً ، والمُتْرَفُ : الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ ، وأَتْرَفَتْه النَّعْمةُ : أَي : أَطْغَتْه … .

وقوله تعالى : ( إلا قال مُتْرَفُوها ) أَي : أُولو الترفةِ ، وأَراد : رؤساءَها ، وقادةَ الشرّ . ” لسان العرب ” ( 9 / 17 ) .

وهذه الصفة لا شك ولا ريب : أنها صفة الكفار من أهل الدنيا – ومن شابههم من المسلمين من أهل الدنيا – الذين هذا هو مبلغ شهواتهم ، ونعيمهم ، وملذاتهم , كما جاء في الحديث : ( أَوَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) – رواه البخاري ( 2336 ) ومسلم ( 1479 ) – .

وأما المُسْلِم:
فيعلم أنَّ رغَد العيش وسَعَة الرزق، والشهَوات والملذَّات، إنما هي: سبيل لتحقيق العُبُودية لله تعالى في الأرض، فلا يَبْطُر ولا يتكبَّر، ولا ينغمس في هذه الشهوات بلا ضابط أو تحديد، فهو ينطلق في ذلك وَفْق مرضاة الله تعالى وَلِتحقيق الغاية العُظْمى التي خُلِق لها، وهي: عبادة الله تعالى وحده، وذلك ليتحقق له الفوز بالجنة، وتحصيل رضوانه تعالى, وهو يعلم أنَّ هذه الدنيا في حقيقتها سجنٌ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)
رواه مسلم (2956) .

قال النووي -رحمه الله- :
معناه: أنَّ كل مؤمنٍ مسجونٌ، ممنوع في الدنيا مِن الشهوات المُحرَّمة والمكروهة، مكلَّف بفِعْل الطَّاعات الشاقَّة، فإذا مات؛ استراح مِن هذا, وانقلبَ إلى ما أعدَّ الله تعالى له مِن النَّعيم الدائم والرَّاحة الخالِصة مِن النُّقْصان.
وأما الكافر: فإنَّما له مِن ذلك ما حصل في الدنيا مع قِلَّته وتكديره بالمُنغِّصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد.
”شرح مسلم” (18 / 93) .

فَبِناء على ما تقدَّم:
لا مُنافاة بين أنَّ الغالب على المُتْرَفين: الغفلة والإعراض عن أوامر الله تعالى، وتكذيب الرسل، وغير ذلك, وبَيْن أنَّ رغَد العَيْش والتنعُّم بالدنيا أمور مُقدَّرة مِن ربِّ العِباد، وهي مُباحَة لهم؛ لأنَّ الله تعالى أباحها لهم لتحقيق العبودية له، والاستعانة بها على طاعته, وليس لعصيانه ومُخالَفة أمره.

فمَن أحسن مثلًا: استعمال المال، وجعله في طاعة ربِّه، وكذا المباح له مِن الأشياء؛ فلن يكون ذلك وسيلة لطغيانه ولا لتَكبُّره، ولا يكون بذلك مِن المُترفين.
ومن أساء استعماله، وجعله في معصية ربِّه، وتحقيق شهواته ومَلذَّاته؛ أطغاه وأفسَدَه، وكان بذلك مِن المُترَفين.

* قال الدكتور عبد الكريم الخطيب – وفقه الله – في تفسير قوله تعالى ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) – :

المُترف: هو من أبطرته النعمة حتى خرجت به عن حد الاعتدال ، وأفسدته ، وقتلت فيه معاني الإنسانية ، والمترفون : هم آفة المجتمع في كل أمة ، وفي كل جيل ، إذ فيهم ينشأ الفسق ، والمجون ، وكل ما مِن شأنه أن يغذِّي العواطف الخسيسة ، و ( يقوِّي ) الغرائز البهيمية ، على حساب المطالب الروحية ، والعقلية .

فليس الغنى في ذاته – كما يبدو – هو الذي يفسد الأخلاق ، وإنما شأنه في هذا شأن الفقر ، قد يفسد وقد يصلح ، إنه خير وشر ، وداء ودواء .

فمَن أحسن سياسة المال ، وعرف قدره ، والمكان الذي يوضع فيه : صلح به أمره ، واستقام به شأنه ، ومن اتخذ من المال وسيلة يصطاد بها ما توسوس به نفسه ، وما يدعوه إليه هواه : فسد كيانه ، وتهدم بنيانه ، وتحول إلى كومة متضخمة من الشحم واللحم ، تهب منها كل ريح خبيثة ، تفسد المجتمع وتزعجه ، وحين تنجم دعوة من دعوات الخير : يكون المترفون هم أول من يَلْقَوْنها بالنكير ، ويرجمونها بكل ما يقدرون عليه ، وما جاء رسول من رسل اللّه يدعو قومه إلى الهدى حتى يتصدى له المترفون من قومه ، يعلنون الحرب عليه ، ويجمعون الجموع للوقوف معهم في وجهه ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) . ” التفسير القرآني للقرآن ” ( 11 / 828 ، 829 ) .

وفي جوابين سابقين بيَّنا أن للمسلم: أن يتمتع بالطعام ، والشراب ، واللبس الغالي الثمن ، وسكنى البيت الواسع ، ووضع الطيب غالي الثمن ، وأنها كلها من الطيبات التي أباحها الله لعباده ، ومن الزينة المباحة ، والمسلم لا يُعاقب عليها إذا اكتسب ثمنها من حلال ، ولم يقصد المفاخرة ، والمباهاة ، ولم تشغله عن طاعة ربِّه تعالى ، وهكذا يفهم المسلم الفرق بين تنعم المسلم بالطيبات من الرزق ، وبين الكافر ، والعاصي ، واللذين كان تنعمهما بملذات الدنيا ، وانغماسهما بشهواتها سبباً لطغيانهم ، وضلالهم .

وننصح من أراد الفائدة أن ينظر في الجوابين ؛ ففيهما قواعد علمية ، ونقولات نفيسة عن أهل العلم .

 

والله أعلم.

1 تعليق

  1. في الحديث الصحيح (إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين)
    وذكر الله تعالى أهل الشمال في القرآن الكريم في سورة الواقعة فقال عنهم (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين)
    وقانا الله شر الدنيا ورزقنا الاقبال على الآخرة و ختم لنا بخاتمة طيبة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة