هل نأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة؟

السؤال

هناك الحديث المتواتر وحديث الآحاد، قال أحدهم بأنه لا يمكن أن نقبل بحديث الآحاد في العقيدة فهل هذا صحيح؟

هل يمكن أن تذكر دليلًا قاطعًا يثبت أن حديث الآحاد لا يؤخذ به في العقيدة؟

هل يمكن أن تخبرنا كيف أن الإمام الشافعي لم يأخذ بخبر الآحاد؟

يقولون أن الظن والتخمين لا يجب أن نأخذها في العقيدة، ويقولون أن أكثر العلماء قالوا أن أحاديث الآحاد مبنية على الظن وليست عن علم.

هل يمكن أن تساعدنا وتذكر لنا أكثر ما تستطيع من الأدلة؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن أردنا أن نثبت شيئًا من دين الله أو أن ننفيه في العقيدة فيجب علينا أن نتحرى عقيدة أهل السنة و الجماعة وعقيدة الصحابة الكرام والتابعين الأولين ومن سار على نهجهم من أهل السنة بعيدًا عن هرطقات أهل البدع وضلالاتهم.

فالمسألة التي نحن بصددها وهي مسألة رد خبر الواحد في العقيدة، وأنه لا يقبل في العقيدة إلا المتواتر، من أين جاء هذا القول؟ هل حكاه القرآن الكريم؟ هل جاء به حديث من رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ هل قال به أبو بكر وعمر وسائر الصحابة وعلموه لمن بعدهم؟

الجواب: لا.

إنما هو قول زمرة أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وغيرهم.

ثم إننا نسألهم ما دام أنكم لا تقبلون في العقيدة إلا المتواتر – وهذه المسألة من العقيدة – أين الحديث المتواتر الذي جاء بهذا؟.

إن عقيدة الصحابة الكرام ومن سار على نهجهم أنهم لا يرفضون كلام النبوة ولم ينشأوا على هذا وليس هذا من أخلاقهم بل يسلمون لأقوال الأنبياء ولا يميزون بين خبر الواحد أو غيره، فلم يتعلموا على رد كلام الأنبياء.

وأما قولهم: إن خبر الواحد يفيد الظن فهو قول غير مسلم به، والصحيح أنه يفيد العلم إذا احتفت به القرائن التي تدل على ذلك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

بل الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبرَ واحدٍ وقد يقوم الدليل على كذبه فيعلم أنه كذب وإن أخبر به ألوف إذا كان خبرهم على غير علم منهم بما أخبروا به أو عن تواطئ منهم على الكذب مثل إخبار أهل الاعتقادات الباطلة بالباطل الذي يعتقدونه، وأما إذا أخبروا عن علم منهم بما أخبروا به فهؤلاء صادقون في نفس الأمر ويعلم صدقهم تارة بتوافق أخبارهم من غير مواطأة ولو كانا اثنين فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم وقد ما لم يقطع بثبوته ولا انتفائه قد يتفق في العادة تماثلهما فيه في الكذب أو الغلط علم أنه صدق وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل تدل على صدقه ويعلم صدق خبر الواحد بقرائن تقترن بخبره يعلم بها صدقه وتلك الدلائل والقرائن قد تكون صفات في المخبر من علمه ودينه وتحريه الصدق بحيث يعلم قطعا أنه لا يتعمد الكذب كما يعلم علماء أهل الحديث قطعا أن ابن عمر وعائشة وأبا سعيد وجابر بن عبد الله وأمثالهم لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم بل يعلمون علما يقينيا أن الثوري ومالكا وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأبا زرعة وأبا داود وأمثالهم لا يتعمدون الكذب في الحديث. ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 6 / 481 ، 482 ).

*  وقال رحمه الله:

ولا ريب أن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه الضروري بخبر المخبر بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري كما يعرف الرجل رضاء الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها كما قال تعالى { ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم } ثم قال { ولتعرفنهم في لحن القول } فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول وعلق معرفتهم بالسيما على المشيئة لأن ظهور ما في نفس الإنسان من كلامه أبين من ظهوره على صفحات وجهه وقد قيل ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه فإذا كان مثل هذا يعلم به ما في نفس الإنسان من غير إخبار فإذا اقترن بذلك أخباره كان أولى بحصول العلم. ” العقيدة الأصفهانية ” ( 1 / 124 ).

و إن كان خبر الواحد ظنًّا: فهو ظن راجح يؤخذ به وهذه هي عقيدة العلماء الذين كانوا يتبعون السلف الصالح.

و الأدلة على ذلك ما يلي:

عن البراء بن عازب:  أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك قال زهير حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } البخاري ( 41 ) ومسلم ( 525 ).

فلم يقل الصحابة وهم في الصلاة للذي جاءهم بخبر القبلة: أنت واحد فأتنا بآخر   وآخر حتى تبلغوا حد التواتر ثم نتبعكم بل استداروا وهم في الصلاة، ومسألة القبلة والاتجاه في الصلاة له ارتباط وثيق بالعقيدة.

  1. قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } [ الحجرات / 6 ].

ومفهوم الآية: أنه إذا لم يكن فاسقًا فلا داعي للتثبت ويؤخذ رأيه وقوله.

  1. قال الله تعالى { و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } [ التوبة / 122].

والطائفة: تعني الواحد فما فوق.

  1. عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” نضر الله عبدًا سمع مقالتي هذه فحملها فرب حامل الفقه فيه غير فقيه ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم إخلاص العمل لله عز وجل و مناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم “. رواه أحمد ( 12937 ) وابن ماجه ( 236 ).

هذا حامل فقه واحد يدعو له الرسول صلى الله عليه و سلم بالنضارة و لم يدع له أن يجد من الناس من يبلغ معهم حد التواتر ليبلغوا الفقه عنه و مما لا ينكره الجاهل فضلًا عن العالم أن العقيدة هي رأس الفقه و أساسه.

  1. عن أنس بن مالك أنه قال: ” كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر قال فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها قال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت “. رواه البخاري ( 6862 ) ومسلم ( 1980 ).

فهؤلاء النفر من الصحابة اعتقدوا حرمة الخمر وقد جاءهم به واحد ولم يطلبوا أكثر من واحد ليعتقدوا حرمة الخمر.

  1. قال ابن حزم:

ولم يختلف أحدٌ من الأمم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسولا رسولًا واحدًا إلى كل مملكة يدعوهم إلى الإسلام واحدًا واحدًا إلى كل مدينة وإلى كل قبيلة كصنعاء والجند وحضرموت وتيماء ونجران والبحرين وعمان وغيرها يعلمهم أحكام الدين كلها، وافترض على كل جهة قبول رواية أميرهم ومعلمهم، فصح قبول خبر الواحد الثقة عن مثله مبلغًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ” المحلى ” ( 1 / 52 ).

ثانيًا:

وأما القول بأن هذا رأي أكثر العلماء فهذا قول خطأ، بل إن قول جمهور العلماء والسلف منهم خاصة على الأخذ بقول الآحاد في العقيدة.

* قال الإمام ابن القيم:

فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين و إجماع أئمة الإسلام ووافقوا الجهمية والمعتزلة والرافضة الخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة تبعوا بعض الأصوليين. ” مختصر الصواعق المرسلة ” ( ص 457 ).

ثالثًا:

أما عقيدة الإمام الشافعي في ذلك فهو متابع لمن سبقه من أئمة الدين.

* قال الشافعي:

فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب وقلنا ليس لك إن كنت عالمًا أن تشك كما ليس لك ألا تقضي بشهادة العدول وإن أمكن فيهم الغلط ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم و الله ولي ما غاب عنك من ذلك. نقلًا عن أصل الاعتقاد ( ص 21 ).

* قال ابن القيم:

فمَن نصَّ على على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم، ونصَّ عليه: الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاربي. ” مختصر الصواعق ” ( ص 457 ).

هذه عقيدة الشافعي لمن أراد أن يتبع الشافعي ـ رحمه الله.

* يقول الشيخ عمر الأشقر حفظه الله:

ومما يدل على أن الشافعي لا يفرق بين العقيدة والعمل في حديث الآحاد أنه روى الحديث الذي رواه البخاري و مسلم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس من بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ذكر حديث موسى و الخضر بشيء يدل على أن موسى عليه السلام صاحب الخضر.

هذا الحديث أخرجه الشافعي مختصرًا ثم قال:

فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يكذب به امرءًا من المسلمين إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من دلالة على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر. ” أصل الاعتقاد ” ( ص 24 ).

* يقول الشيخ ناصر الدين الألباني معقبًا على كلام الشافعي هذا:

وهذا القول من الإمام الشافعي – رحمه الله – دليل على أنه لا يرى التفريق بين العقيدة والعمل في الاحتجاج بخبر الآحاد لأن كون موسى عليه السلام هو صاحب الخضر عليه السلام مسألة علمية و ليست حكمًا عمليًا كما هو بيِّن. ” الحديث حجة بنفسه ” ( ص 34 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة