ما هي حجية قول الصحابي وحديث ابن عمر في القبضة
السؤال
إذا لم أجد حلا لمسألة ما؛ لا في القرآن أو السنة، فهل أعتد بقول الصحابة في هذه المسألة؟ أرجو تقديم مثال لذلك، وهل ما يقال صحيح من أن الصحابي الذي يروي الحديث أعلم الناس بالمسألة التي يرويها حلالها وحرامها؟ فمثلا ابن عمر روى أحاديث كثيرة عن إعفاء اللحى ومع ذلك هو يأمر الناس بقص اللحية ( ما زاد عن القبضة ) ولم ينكر الصحابة عليه؟
الجواب
الحمد لله
أولا:
اختلف العلماء في حجية قول الصحابي على مسالك:
- إذا اجتمع الصحابة كلهم على قول، فهذا حجة عند العلماء كلهم دون نزاع يعلم.
- إذا قال نفر من الصحابة برأيهم مع علم سائرهم بذلك و سكوتهم:
أ. قال بعض العلماء: هو إجماع ملزم وقد سمَّوْه إجماعا سكوتيا.
ب. وقال آخرون: ليس بإجماع.
أما حجة الأولين: أنه يستحيل أن يسكت الصحابة كلهم على ما يرون أن الحق في ما سواه وهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر.
يقول الحافظ العلائي:
ففي ترك الاجتهاد إهمال حكم الله تعالى فيما وجب عليهم ، ولا يظن بهم ذلك لما فيه من المعصية ، والأصل براءتهم منها.
” إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ” ( ص 27 ).
ورد عليهم القائلون بعدم حجيته بأن السكوت قد يكون خشية الفتنة، أو أن يكون بسبب أن بعضهم يرى أن كل مجتهد مصيب، أو لاعتقاده أن الخلاف في المسألة سائغ، وقد يسكت الصحابي لأنه لم يجتهد في المسألة، أو اجتهد ولم يترجح له من ذلك شيء، وقد ينكر القول على صاحبه فلا ينتشر إنكاره، وقد لا يكون وصلته المسألة أصلا.
ج. وقال بعضهم: هو حجة فيما يتكرر و يكثر ذكره ويحتاج إليه، أو فيما لا يمكن استدراكه كإقامة الحدود مِن قطع أو جلد أو قصاص لأنه لو كان الأمر خلافه لكان منكراً لا يجوز السكوت عليه.
والراجح من هذا كله:
أن الإجماع السكوتي ليس بحجة لكثرة الاحتمالات في عدم نقل قول المخالف، ولم يتكفل الله تعالى حفظ أقوالهم.
- إذا كان الأمر من أحد الخلفاء الراشدين أو منهم مجتمعين فهو حجة إن لم يخالفه الصحابة في ذلك لقول النبي صلى الله عليه و سلم من حديث العرباض بن سارية قال: “وعظنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ “.
رواه الترمذي ( 2600 ) وأبو داود ( 3991 ) وابن ماجه ( 42 ).
والحديث قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
و خاصة إن كان ذلك من أبي بكر وعمر.
عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ” . رواه الترمذي ( 3595 ) وابن ماجه ( 94 ).
والحديث: حسَّنه الترمذي وصححه الألباني في ” صحيح الجامع “.
ثانيا:
أما إن انفرد أحد الصحابة في رأي و خالفه بعضهم فليس قول أحد منهم حجة لاختلافهم ويرجع عندئذ للرأي والقياس والتماس العلل.
ومن الأمثلة على ذلك: اختلافهم في التيمم للجنب .
عن شقيق قال: ” كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم ويصلي فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة { فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا }، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد، قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تَمَرَّغ الدابة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا ” فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه، فقال عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار. رواه البخاري ( 334 ) ومسلم ( 552 ).
فهذا الحديث يدل على اختلاف ثلاثة من الصحابة عمر و ابن مسعود لا يريان التيمم للجنب و عمار يرى ذلك، فعندئذ لا يكون قول أحد منهم حجة و ننظر في رجحان الدليل.
ولا يعرف على وجه الأرض عالِم يقول بقول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما.
ثالثا:
ولا يلزم من كون الراوي من الصحابة أو من غيرهم أن يكون أعلم بمرويه إذا خالفه، فقد يروي الرواية وينساها، وقد يتأولها على غير وجهها ويخالفه من هو أعلم منه.
أما المسائل التي ليس لها دليل من الكتاب والسنة واجتهد الصحابة فيها مسألة كم يجلد شارب الخمر روى الطحاوي في شرح معاني الآثار ج: 3 ص: 153 عن علي قال: ” ما حددت أحدا حدا فمات فيه فوجدت في نفسي شيئا إلا الخمر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسن فيها شيئا”.
قال الطحاوي: ( فهذا علي رضي الله عنه يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن سن في شرب الخمر حدا ثم الرواية عن علي رضي الله عنه في حديث شارب الخمر فعلى خلاف ما في الحديث الأول أيضا من اختياره الأربعين على الثمانين حدثنا علي بن شيبة قال ثنا أبو نعيم قال ثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال أتى علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ثم أمر به إلى السجن ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ثم قال إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال ثنا أبو عامر قال ثنا سفيان عن أبي مصعب عن أبيه أن رجلا شرب الخمر في رمضان ثم ذكر نحوه حدثنا يونس قال أخبرنا بن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد الليثي أن بن شهاب حدثه أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رجلا من كلب اسم قبيلة من العرب يقال له وبرة أخبره أن أبا بكر الصديق كان يجلد في الشراب أربعين وكان عمر يجلد فيها أربعين قال فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب فقدمت عليه فقلت يا أمير المؤمنين إن خالدا بعثني إليك قال فيم قلت إن الناس قد تخاوفوا العقوبة وانهمكوا في الخمر فما ترى في ذلك فقال عمر لمن حوله ما ترون فقال علي بن أبي طالب نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة فقبل ذلك عمر فكان خالد أول من جلد ثمانين ثم جلد عمر بن الخطاب ناسا بعده حدثنا علي بن شيبة قال ثنا روح بن عبادة قال ثنا أسامة بن زيد الليثي فذكره بإسناده مثله غير أنه قال فأتيت عمر فوجدت عنده عليا وطلحة والزبير أو عبد الرحمن بن عوف وهم متكئون في المسجد فذكر مثل ما في حديث يونس غير أنه زاد في كلام علي أنه قال إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون وتابعه أصحابه ثم ذكر الحديث أفلا ترى أن عليا رضي الله عنه لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي ثم استخرج منها حدا برأيه فجعله كحد المفتري ولو كان عنده في ذلك شيء موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لأغناه عن ذلك ولو كان عند أصحابه رضي الله عنهم في ذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال فدل ما ذكرنا منه ومنهم أنه لم يكن عندهم في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كيف يجوز أن يقبل بعد هذا عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا ). اهـ.
انتهى كلام الإمام الطحاوي رحمه الله .شرح معاني الآثار 3/155.
والله تعالى أعلم.


