هل هناك اختلاف بين الشرائع في الحلال والحرام؟

السؤال

حقًا لا تتغير شريعة الله في أشياء مثل الشرك والزنا محرمة مع ذلك فهناك أشياء معينة تكون حرامًا وحلالًا طبقًا لظروف رسالة كل نبي. فمثلًا داوود عليه السلام كان مباحًا له العزف على المزمار. فما الفرق؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

هذه المسألة من المسائل المبحوثة عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهي ” هل شرع من قبلنا هو شرع لنا؟ “، وتعريفها:

ومعنى ” شرع من قبلنا “: أي: ما جاء به الرسل من الشرائع إلى الأمم التي أرسلوا إليها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

فأما بالنسبة لأصول الدين كوحدانية الله تعالى، والإيمان بالبعث، والجنة والنار والملائكة.

قال الله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم، وموسى، وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [ الشورى / 13 ].

ومثله: محاسن الأخلاق، والنهي عن سيئها.

أما بالنسبة لمسائل الفروع العملية فإن الشرائع تختلف فيما بينها؛ ولذلك أسباب منها اختلاف البيئات والأزمنة، ومنها ما يتعلق بالمُرسل إليهم حيث يعاقبهم الله تعالى بتحريم بعض الطيبات، كما حرم على اليهود بعض أجزاء الحيوان، قال تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر، والغنم، حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم } [ الأنعام / 146 ].

ولذا اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، ويمكن تقسيم المسألة إلى أقسام ثلاثة:

  1. فما كان من الشرائع السابقة وورد ما يدل على إقراره: فهو شرع لنا، كالترغيب بصيام داود عليه السلام وقيامه.
  2. فإن ورد ما يدل على نسخه: فليس شرعا لنا بالاتفاق، كحل الغنائم لنا وقد كانت محرمة على من كان قبلنا.
  3. وإن سكت شرعنا عن إقراره ونسخه فقد اختلف الفقهاء في ذلك:
  • ذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، يلزمنا حكمه، إذا قصه الله علينا في القرآن من غير إنكار.

واحتجوا بقوله تعالى: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه – إلى قوله –  فبهداهم اقتده } [ الأنعام /  83 ].

وقوله تعالى: { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [ النحل / 123 ].

وقالوا: إن هذه الآيات وغيرها تدل على أن شرع من قبلنا من الأنبياء شرع لنا، وهي وإن لم تكن لازمة لنا بنفس ورودها في تلك الشريعة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإنها قد صارت شريعة لنا بورودها على شريعتنا ولزمنا أحكامها.

  • وقال الشافعية – في القول الأصح عندهم -: إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره.

وهذا القول هو الصحيح.

واحتجوا بقوله تعالى: { لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا } [ المائدة / 48 ]، وقوله تعالى: { لكلِّ أمة جعلنا منْسكًا هم ناسكوه } [ الحج / 67 ].

ومن السنة:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” الأنبياء أولاد عَلاَّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد “.

رواه البخاري ( 3258 ) ومسلم ( 2365 ).

قال ابن كثير:

… فإن ” أولاد العلات ” هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 199 ، 200 ).

قال الشيرازي:

والذي يصح الآن عندي: أن شيئًا من ذلك ليس بشرع لنا.

والدليل عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرجع في شيء من الأحكام ولا أحد من الصحابة إلى شيء من كتبهم، ولا إلى خبر من أسلم منهم، ولو كان ذلك شرعا لنا لبحثوا عنه ورجعوا إليه، ولما لم يفعلوا ذلك: دل ذلك على ما قلناه. ” اللمع في أصول الفقه ” ( ص 63 ).

وقال الجويني:

ولكن ثبت عندنا شرعا أنَّا لسنا متعبدين بأحكام الشرائع المتقدمة، والقاطع الشرعي في ذلك: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا فيهما، وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام. ” البرهان في أصول الفقه ” ( 1 / 332 ).

ثانيًا:

أما قول السائل: ” فمثلًا داود عليه السلام كان مباحًا له العزف على المزمار ” ! فخطأ، حيث أن المعازف محرَّمة في كل الشرائع السابقة، حيث أنها مفسدة للقلوب والأخلاق، وهذا ما لا تأت به الشرائع.

ولعل السائل ظن هذا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود ”  – رواه البخاري ( 4761 ) ومسلم ( 793 ) – فإن كان كذلك فإن تفسير الحديث ليس كما ظنه، بل معناه: أنه أوتي صوتًا حسنًا.

قال القرطبي:

وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن، وحُسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى { يزيد في الخلق ما يشاء } على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ” لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود “.

قال العلماء: المزمار: المزمور: الصوت الحسن، وبه سميت آلة الزمر مزمارًا.

وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع.

” تفسير القرطبي ” ( 14 / 265 ).

قال ابن حجر:

والمراد بالمزمار: الصوت الحسن، وأصله: الآلة أطلق اسمه على الصوت للمشابهة.

” فتح الباري ” ( 9 / 93 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة