ماذا يتبع عند تضارب أقوال العلماء واختلافهم؟ ومسألة حلق اللِّحية.

السؤال

دائما ما أجد أن العديد من المواضيع المتعلقة بديننا يكون لها أجوبة متناقضة حتى بين العلماء، مثلًا: فقد قرأت دائما على هذا الموقع أن حلاقة اللحية حرام، لكني قرأت في مواقع أخرى بأن ذلك ليس بحرام، لكن إبقاء اللحية مستحب، فبأي الحكمين نأخذ عندما يقع التناقض في الأجوبة كما هو الحال هنا؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الاختلاف الواقع بين أهل العلم معلوم ومعروف، وهو له أسبابه التي إذا وقف عليها المسلم لم يعجب من هذا الاختلاف الذي يسمعه أو يقرؤه.

ومن حيث العموم فالناس على أقسام ثلاثة: مجتهدون، وطلبة علم، وعوام.

فالمجتهد يبذل وسعه ويقلب نظره في البحث والاستقراء للوصول إلى معرفة حكم الله تعالى في المسألة، فمل هذا لا يجوز له أن يقلِّد أحدًا، إلا إن ضاق عليه الوقت فله أن يقلِّد فيها.

وطالب العلم يقف على الخلاف بين أهل العلم فيعرف أقوى الحجتين وأقربها إلى الصواب، وهو يملك الآلات التي يستطيع فيها الترجيح والمقارنة، فمثله لا يقلِّد إلا إذا عجز عن الترجيح في مسألة أو ضاق عليه الوقت فله أن يقلِّد فيها.

وأما العامي فهو لا يستطيع الترجيح بين الأقوال، وهو لا يملك أدوات البحث ليبحث بنفسه، فحقُّه التقليد لمن يثق بدينه وعلمه، فإذا أفتاه هذا فالواجب عليه أخذ ما أفتاه به، إلا أن يتبين له قوة قول غيره.

فليس للعامي أكثر من السؤال والعمل بما يُفتى به، وقد أمره الله تعالى بهذا حيث قال: { فاسألوا أهل الذِّكر إن كنتم لا تعلمون }.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:

1. عالم رزقه الله علمًا وفهمًا.

2. طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحر.

3. عامي لا يدري شيئًا.

أما الأول:

فإنه له الحق أن  يجتهد وأن يقول – بل يجب عليه أن يقول – ما كان مقتضى الدليل عنده مهما خالفه من خالفه من الناس لأنه مأمور بذلك، قال تعالى: { لعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنبِطونَه مِنْهم } [ النساء / 83 ]، وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله.

أما الثاني:

الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول : فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والاطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك وألا يقصر عن سؤال من هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطئ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خَصَّص ما كان عامًّا، أو قيَّد ما كان مطلقًا، أو نسخ ما يراه محكمًا وهو لا يدري بذلك.

 أما الثالث:

وهو من ليس عنده علم : فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [ الأنبياء / 7 ]، وفي آية أخرى: { إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر } [ النحل / 43، 44 ] فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن من يسأل؟ في البلد علماء كثيرون، وكلٌّ يقول: إنه عالم، أو كل يقال عنه: إنه عالم، فمن الذي يسأل؟ هل نقول: يجب عليك أن تتحرى من هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل من شئت ممن تراه من أهل العلم والمفضول قد يوفق للعمل في مسألة معينة، ولا يوفق من هل أفضل منه وأعلم؟.

اختلف في هذا أهل العلم:

فمنهم من يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في علمه من علماء بلده؛ لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه فإنه يطلب لمرضه من يراه أقوى في أمور الطب فكذلك هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك من تراه أقوى: فكذلك هنا يجب أن تختار من تراه أقوى علمًا إذ لا فرق.

ومنهم من يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن من هو أقوى علماً قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرشح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل.

والذي أرى في هذه المسألة: أنه يسأل من يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب؛ لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه. ” العلم ” ( ص 271 – 273 ).

وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته – عما يحصل من اختلاف الفتيا من عالم لآخر في موضوع واحد، ما مرد ذلك؟ وما موقف متلقي الفتيا؟.

فأجاب – رحمه الله تعالى – بقوله:

مردُّ ذلك إلى شيئين:

الأول: العلم، فقد يكون أحد المفتين ليس عنده من العلم ما عند المفتي الآخر، فيكون المفتي الآخر أوسع اطلاعًا منه، يطلع على ما لم يطلع عليه الآخر.

والثاني: الفهم، فإن الناس يختلفون في الفهم اختلافًا كثيرًا، قد يكونون في العلم سواء، ولكن يختلفون في الفهم، فيعطي الله تعالى هذا فهمًا واسعًا ثاقبًا؛ يفهم مما علم أكثر مما فهمه الآخر، وحينئذ يكون الأكثر علمًا والأقوى فهمًا أقرب إلى الصواب من الآخر، أما بالنسبة للمستفتي فإنه إذا اختلف عليه عالمان مفتيان فإنه يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب، إما لعلمه، وإما لورعه ودينه، كما أنه لو كان الإنسان مريضًا واختلف عليه طبيبان فإنه سوف يأخذ بقول من يرى أنه أقرب إلى الصواب، فإن تساوى عنده الأمران ولم يرجح أحد المفتين على الآخر : فإنه يخيَّر، إن شاء أخذ بهذا، وإن شاء أخذ بهذا، وما اطمأنت إليه نفسه أكثر فليأخذ به.

” العلم ” ( ص 204 السؤال 100 ).

ثانيًا:

وأمَّا بالنِّسبة لِمسألة حلق اللحية:
فَلْتعلم أنه لَمْ يكن هناك خِلاف بين الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إلى مئات السنين في أنَّ حلقها حرام، وأنَّ إعفاءها واجب، وأنَّ مَن قال بكراهة حلقها أو استحباب إعفائها إنَّما قاله مِن غير مُستند شرعي ولم يُسبق إليه مِن العلماء المتقدِّمين.

وَلْتعلم -كذلك- أنَّ في حلق اللحية مخالفات كثيرة وَوُقُوع في محاذير متعدِّدَة، مِنها:
١. مخالفة الأمر الوارد في الحديث.
٢. التشبُّه بالمشركين.
٣. التشبُّه بالنِّساء.
٤. تغيير الفِطْرة.
٥. تغيير خَلْق الله عز وجل.

فأيْن هذا مِن قَوْل المُخالِف والقائل لاستحباب إعفائها أو كراهة حلقها؟ في الحقيقة إنه لا ينبغي أنْ يُقارَن بين القولين.

وهكذا في كلِّ خِلاف تراه:
فإنه لا يُهمك إنْ كنتَ عاميًّا؛ لأنَّ عليك التقليد، وخُذْ بِفتوى مَن تثق بعلمه ودينه، دون أن تلتفتَ للأقوال المُخالِفة إلا إن تبيَّن لك قوة القول المُخالِف فإنه لا يجوز لك البقاء على القول الأول.

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة