كيف اختلف الصحابة في الفقه مع تلمذتهم جميعاً على النبي صلى الله عليه وسلم؟
السؤال
أعلم أن هناك آراء مختلفة بين العلماء بشأن الفقه ، لكن لماذا كان هناك اختلاف بين الصحابة الذين تلقوا العلم من شخص واحد ، النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟ جزاك الله خيراً أيها الشيخ.
الجواب
الحمد لله
هذا سؤال جيد ، يدل على فهم وحسن إدراك من سائله ، ومن علِم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه ، وعلم زمان الرسالة الذي استمر ثلاثة عشر سنة ، وعلم اختلاف أحوال الصحابة قرباً وبعداً منه صلى الله عليه وسلم ، وعلم اختلاف درجات الحفظ والفهم بينهم : لم يتعجب من وقوع الخلاف بينهم ، مع كونهم جميعاً أدركوا زمن الرسالة ، ولم يحتاجوا لعلوم الآلة لفهم النصوص .
هذه الأسباب في اختلافهم في الجملة ، وأما تفصيل ذلك : فلنقرأ ما كتبه الشيخ ولي الله الدهلوي في ذلك ، حيث قال :
” وبالجملة : فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم ، فرأى كل صحابي ما يسَّره الله له من عباداته ، وفتاواه ، وأقضيته ، فحفظها ، وعقلها ، وعرف لكل شيء وجهاً من قبل حفوف القرائن به ، فحمل بعضها على الإباحة ، وبعضها على الاستحباب ، وبعضها على النسخ ؛ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده ، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان ، والثلج ، من غير التفات إلى طرق الاستدلال ، كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم ، وتثلج صدورهم بالتصريح ، والتلويح ، والإيماء ، من حيث لا يشعرون .
فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك ، ثم إنهم تفرقوا في البلاد ، وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي ، فكثرت الوقائع ، ودارت المسائل ، فاستُفتوا فيها ، فأجاب كل واحد حسب ما حفظه ، أو استنبطه ، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب : اجتهد برأيه ، وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكم في منصوصاته ، فطرد الحكم حيثما وجدها ، لا يألو جهداً في موافقة غرضه عليه الصلاة والسلام ، فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب :
- 1. منها : أن صحابيّاً سمع حكماً في قضية ، أو فتوى ، ولم يسمعه الآخر ، فاجتهد برأيه في ذلك ، وهذا على وجوه :
أحدها : أن يقع اجتهاده موافقَ الحديث ، مثاله : ما رواه النسائي وغيره أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها – أي : المهر – فقال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك ، فاختلفوا عليه شهراً ، وألحُّوا ، فاجتهد برأيه ، وقضى بأن لها مهرَ نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منهم ، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام .
وثانيها : أن يقع بينهما المناظرة ، ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن ، فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع ، مثاله : ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة رضي الله عنه كان مِن مذهبه : أنه من أصبح جنباً : فلا صوم له ، حتى أخبرته بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف مذهبه فرجع .
وثالثها : أن يبلغه الحديث ، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن ، فلم يترك اجتهاده بل طعن في الحديث ، مثاله : ما رواه أصحاب الأصول من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة الثلاث ، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ، ولا سكنى ، فردَّ عمر شهادتها ، وقال : لا نترك كتاب الله بقول امرأة ، لا ندري أصدقت أم كذبت ، لها النفقة والسكنى ، وقالت عائشة رضي الله عنها : يا فاطمة ألا تتقي الله ! يعني : في قولها لا سكنى ، ولا نفقة – قلنا : والصواب قول فاطمة ، ودليل المسألة معها نص في موضع النزاع – .
ومثال آخر : روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزئ الجنب الذي لا يجد الماء ، فروى عنده عمار أنه كان معه في سفر فأصابته جنابة ولم يجد ماء ، فتمعَّك في التراب ، فذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا ) وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه ، فلم يقبل عمر ، ولم ينهض عنده حجة تقاوم ما رآه فيه ، حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة واضمحل وهَمُ القادح ، فأخذوا به .
ورابعها : أن لا يصل إليه الحديث أصلا ، مثاله : ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ، فسمعت عائشة رضي الله عنها بذلك فقالت : يا عجباً لابن عمر هذا ، يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات .
- 2. ومن تلك الضروب : أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ فعلاً ، فحمله بعضهم على القُربة ، وبعضهم على الإباحة ، مثاله : ما رواه أصحاب الأصول في قصة ” التحصيب ” أي : النزول بـ ” الأبطح ” عند النفر من عرفات ، نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنه على وجه القربة ، فجعلوه من سنن الحج ، وذهبت عائشة رضي الله عنها وابن عباس إلى أنه كان على وجه الاتفاق ، وليس من السنن .
ومثال آخر : ذهب الجمهور إلى أن الرَّمَل في الطواف سنَّة ، وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أنه إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق لعارضٍ عرَض ، وهو قول المشركين ” حطمتهم حمَّى يثرب ” ، وليس بسنَّة .
- 3. ومنها : اختلاف الوهم ، مثاله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج فرآه الناس ، فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعاً ، وبعضهم إلى أنه كان قارناً ، وبعضهم إلى أنه كان مفرداً ، – قلنا : والصواب بلا ريب أنه كان قارناً – .
- 4. ومنها اختلاف السهو والنسيان ، مثاله : ما روي أن ابن عمر كان يقول : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رجب ، فسمعتْ بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو – قلنا : وعُمره صلى الله عليه وسلم كلها كانت في ذي القعدة – .
- 5. ومنها اختلاف الضبط ، مثاله : ما روى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، فقضت عائشة عليه بأنه وهِم بأخذ الحديث على هذا ، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال : ( إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها ) فظن أن العذاب معلول للبكاء ، وظن الحكم عامّاً على كل ميت ، – قلنا : والصواب ما رواه ابن عمر ووافقه عليه صحابة كثر ، وهو أن الحديث عام ، والعذاب ليس عقاباً ، إنما هو ألَم ، ويكون عقاباً إذا كان أوصى بالنياحة ، أو علم فعلهم فلم يوصهم بتركه – .
- 6. ومنها اختلافهم في علة الحكم ، مثاله : القيام للجنازة ، فقال قائل : لتعظيم الملائكة ، فيعم المؤمن والكافر ، وقال قائل : لهول الموت ، فيعمهما ، وقال قائل : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة يهودي فقام لها كراهة أن تعلو فوق رأسه ، فيخص الكافر .
- 7. ومنها : اختلافهم في الجمع بين المختلفين ، مثاله : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ” المتعة ” عام خيبر ، ثم نهى عنها ، ثم رخص فيها عام ” أوطاس ” ، ثم نهى عنها ، فقال ابن عباس : كانت الرخصة للضرورة ، والنهي لانقضاء الضرورة ، والحكم باق على ذلك ، وقال الجمهور : كانت الرخصة إباحة ، والنهي نسخاً لها .
مثال آخر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في الاستنجاء ، فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم ، وكونه غير منسوخ ، ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة ، فذهب إلى أنه نسخٌ للنهي المتقدم ، ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة ، مستقبل الشام : فردَّ به قولهم ، وجمع قوم بين الروايتين ، فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء ، فإذا كان في المراحيض : فلا بأس بالاستقبال والاستدبار ، وذهب قوم إلى أن القول عام محكم ، والفعل يحتمل كونه خاصّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا ينتهض ناسخاً ، ولا مخصصاً .
وبالجملة : فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنهم التابعون ، كل واحد ما تيسر له ، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة ، وعقلها ، وجمع المختلف على ما تيسر له ، ورجح بعض الأقوال على بعض ، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثوراً عن كبار الصحابة ، كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب – أي : أنه لا يتيمم ولا يصلي ! – اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن حصين وغيرهما ” . ” الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ” ( ص 22 – 31 ) باختصار ، وما فيه بين شرطتين مصدَّراً بـ ” قلنا : فهو من تعليقنا.
ونختم الجواب بنقلين مهمين ، في مسألة اختلاف الصحابة :
الأول :
وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام ، وهم سادات المؤمنين ، وأكمل الأمة إيماناً ، ولكن بحمد الله : لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال ، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكاتب والسنَّة كلمة واحدة ، من أولهم إلى آخرهم ، لم يسوموها تأويلاً ، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلاً ، ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً ، ولا ضربوا لها أمثالاً ، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها ، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها ، بل تلقوها بالقبول والتسليم ، وقابلوها بالإيمان والتعظيم ، وجعلوا الأمر فيها كلها أمراً واحداً ، وأجروها على سنَن واحد ، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين ، مع أن اللازم لهم فيها أنكروه : كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه . ” إعلام الموقعين عن رب العالمين ” ( 1 / 49 ) .
الثاني :
قال الدكتور ناصر بن عبدالكريم العقل – حفظه الله – في كتابه ” حراسة العقيدة ” :
اختلف الصحابة رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل مهمة ، وأمور وأحكام كثيرة ، لكن اختلافهم كان ينتهي ” على مقتضى الكتاب والسنة ” ، إما بالإجماع ، أو العمل على ما يترجح ، أو يفصل في الأمور الخليفة ، أو أهل الحل والعقد ، أو يبقى الخلاف سائغاً ، وفي ذلك كله لم يصل الأمر عندهم إلي حد التنازع في الدين، ولا الافتراق والخروج على الجماعة، ولم يبغ بعضهم على بعض. انتهى.
والله أعلم.


