مناقشة علمية لقاعدة ” الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة “
السؤال
أعرف أن من الأمور ما تكون حراماً ثم لظروف معينة تصير حلالاً بدافع الضرورة ، وقد وجدتُ رجلاً واسع العلم يقول لي : إن الحرام ينقلب حلالاً بدافع الحاجة أيضاً ، فهل هذا حقيقي ؟ وإلى أي مدى ؟ وما هي شروط تحقيق ذلك ؟ وأنا أسأل ذلك لما نواجهه في البلدان غير الإسلامية.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
من القواعد المقررة في شريعتنا أن ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة ، من الكتاب ، والسنَّة ، ومنها : قوله تعالى : ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 173 .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :
( فَمَنِ اضْطُرَّ ) أي : ألجئ إلى المحرَّم ، بجوع ، وعدم ، أو إكراه .
( غَيْرَ بَاغٍ ) أي : غير طالب للمحرَّم ، مع قدرته على الحلال ، أو مع عدم جوعه .
( وَلا عَادٍ ) أي : متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطراراً ، فمَن اضطر وهو غير قادر على الحلال ، وأكل بقدر الضرورة : فلا يزيد عليها .
( فَلا إِثْمَ ) أي : جناح عليه ، وإذا ارتفع الجناح – الإثم – : رجع الأمر إلى ما كان عليه ، والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل ، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة ، وأن يقتل نفسه ، فيجب إذًا عليه الأكل ، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات ، فيكون قاتلاً لنفسه , وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده ، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال : ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
ولما كان الحِلُّ مشروطاً بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها : أخبر تعالى أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصاً وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة .
وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، فكل محظور اضطر إليه الإنسان : فقد أباحه له الملك الرحمن ، فله الحمد والشكر ، أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً . ” تفسير السعدي ” ( ص 81 ) .
ومن أدلة السنَّة :
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ قَالَ : ( إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا ) . رواه أحمد ( 36 / 227 ) ، وحسنه المحققون لطرقه وشواهده .
تصطبحوا : الاصطباح : أكل الصبُوح وهو الغداء .
تغتبقوا : تسقوا ، والغبوق : شرب آخر النهار مقابل الصبوح .
تحتفئوا : تحفوا الشَّعر .
وقد مثل العلماء على الضرورات تبيح المحظورات – غير أكل الميتة عند المخمصة – : إساغة اللقمة بالخمر , والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه , وأخذ مال الممتنع من أداء الدَّين بغير إذنه , ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله . انظر ” الأشباه والنظائر ” ( ص 85 ) لابن نجيم .
ثانياً:
وقد اختلف العلماء في تعريف ” الضرورة ” ، وفي حدِّها ، وضوابطها ، والصحيح في تعريفها أنها ” ما يلحق العبد ضرر بتركه – وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس من الدِّين ، والنفس ، والنسل ، والعقل ، والمال – بحيث لا يقوم غيره مقامه “.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
الضرورة أن نعلم أن الإنسان إذا فعل هذا الشيء زالت ضرورته ، ونعلم كذلك : أنه لا يمكن أن تزول ضرورته إلا بهذا الشيء ، يعني : ليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين :
- أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا .
- أن نعلم أن ضرورته تزول به .
” لقاء الباب المفتوح ” ( 3 / 19 ) .
وليُعلم أنه ثمة ضوابط يجب مراعاتها حتى يكون ارتكاب الفعل المحرَّم داخلاً في باب ” الضرورات ” ، فإن اختل واحد من تلك الضوابط : كان الفاعل آثماً على ارتكابه المحرَّم .
يقول الدكتور عبد الله التهامي – وفقه الله – في بيان ضابط الضرورة – :
هناك شروط ، وقيود ، لا بد من حصولها في حالةٍ ما ؛ ليسوغ تسميتها ضرورة شرعية ، ولا يمكن أن تكون تلك الحالة ضرورة شرعية مع تخلف شيء من هذه الضوابط ، وإليك بيان هذه الضوابط ، مع الاستدلال لها :
- أن يترتب على الامتثال للدليل الراجح المحرّم ضرر متعلق بإحدى الكليات الخمس ، كأن تتعرض نفسه للهلاك إن لم يأكل من الميتة .
- أن يكون حصول الضرر أمراً قاطعاً ، أو ظنًّا غالباً ، ولا يلتفت إلى الوهم والظن البعيد ، كأن يكون المضطر في حالة تسمح له بانتظار الطعام الحلال الطيب ، فلا يقدم على تناول الميتة والحالة كذلك حتى يجزم بوقوع الضرر على نفسه ، فيجوز حينها تناول الميتة ، ودليل ذلك : ما علم في الشريعة من أن الأحكام تناط باليقين والظنون الغالبة ، وأنه لا التفات فيها إلى الأوهام ، والظنون المرجوحة البعيدة .
- ألاّ يُمكن دفع هذا الضرر إلا بالمخالفة ، وعدم الامتثال للدليل المحرِّم ، فإن أمكن المضطر أن يدفع هذا الضرر بأمرين أحدهما جائز والآخر ممنوع : حرُم عليه ارتكاب المخالفة للدليل المحرم ، ووجب عليه دفع الضرر بالأمر الجائز ، كأن يغص بلقمة وأمامه كأسان من الماء ، والخمر .
- ألا يعارِض هذه الضرورة عند ارتكابها ما هو أعظم منها ، أو مثلها ، كأن يأكل المضطر طعام مضطر آخر ، ووجه ذلك : ما ورد من قواعد مثل : ” الضرر لا يزال بمثله ” . انتهى من ” مجلة البيان ” ( عدد 120 ، ص 8 )
ولا بد أن يعلم أن المرجع في معرفة حد الضرورة ؛ وحد قدرها إلى أهل العلم ؛ لأنهم هم أعرف بضوابط الضرورة وحدها وقدرها .
ثالثاً:
وأما قاعدة ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة ” : ففيها كلام طويل من حيث الاحتجاج والعمل بها ، وقد فتح العملُ بها – عند بعضهم – البابَ لتجويز محرمات قطعية ! فصار يحتج بها لشراء مساكن للتملك عن طريق القروض الربوية ! واستدل بها على المساهمات في الشركات المحرمة ! وكل ذلك بداعي وجود ” حاجة ” .
والذي نجزم به : أن تلك القول بالقاعدة على ذلك الفهم لها : خطأ ، ولو أضيف إليها كلمة ” العامة ” بعد ” الحاجة ” ، أو ” العامة والخاصة ” ، ولو أضيف إليها ” قد ” التقليلية ، فيقول بعضهم ” قد تنزل منزلة الضرورة ” ! كما أن بعضهم فرَّق بين البلاد الإسلامية فمنع منها ، والبلاد غير الإسلامية فأجاز العمل بتلك القاعدة ، وكل هذا ترقيع لتلك القاعدة لتمريرها حتى يباح فيها ما هو محرَّم قطعيّاً .
والمتأمل في استعمال من أجاز العمل بتلك القاعدة على إطلاقها : يجد عجباً ، فإنهم يقولون بأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة ، مع كون الضرورة لا تؤدي إلى تشريع المحرَّم ليكون حلالاً دوماً ، بينما رأينا استعمال تلك القاعدة أنه كان في ” التشريع ” ! فخرجوا بها لتحليل محرمات ، ونسبتها للشرع كأحكام دائمة ! وأين هذا من ذاك؟!.
وعلى قولهم فإنه قد صارت الحاجة أقوى من الضرورة ! ؛ لأن الحاجة استدعت حكماً تشريعيّاً مستمراً بإباحة المحرَّم ، والضرورة ينتهي حكم الإباحة معها بانتهاء حاجة المضطر لفعل المحرَّم ، فكيف صار هذا ؟ وأنَّى للحاجة أن تستدعي حكماً مستمراً في ارتكاب المحرَّم ، بينما لم يُجعل هذا في الاضطرار ؟! .
والضرورة قد تتعلق بالشخص نفسه إذا كان مسافراً وانقطع الطريق به – مثلاً – واضطر لأكل الميتة ، أما الحاجة : فلا تتعلق بالشخص نفسه عند أحدٍ من العلماء – فيما نعلم – بل اشترطوا في الحاجة أن تكون عامة للناس جميعاً ، أو خاصة في طائفة معينة من الناس ، كجماعة لهم مهنة معينة .
وثمة فرق عظيم بين الضرورة ، والحاجة ، وهو أن الشرع لم يبح ارتكاب المحرَّم للمضطر إلا بعد وقوع الضرورة ، وأما الحاجة: فالناس هي التي تبحث عنها لتفعلها ، فهل يمكن المقارنة بين الضرورة والحاجة على هذا ، وجعل الحاجة بمنزلتها؟!.
فالحاجة حاجة ، والضرورة ضرورة ، وبينهما فرق عظيم في اللغة ، والاصطلاح ، والأحكام ، ولا يمكن جعل الحاجة بمنزلة الضرورة ، وليس في دين الله تعالى ” الحاجات تبيح المحظورات ” ! بل الضرورات هي التي تبيح المحظورات ، وقد سبق ذِكر ضوابط هذه القاعدة ، فهي ليست على إطلاقها .
قال الإمام الشافعي – رحمه الله – :
وليس يحل بالحاجة محرَّم إلا في الضرورات ، من خوف تلف النفس ، فأما غير ذلك : فلا أعلمه يحل لحاجة ، والحاجة فيه وغير الحاجة : سواء . ” الأم ” ( 3 / 28 ) .
* ولمعرفة خطأ ما قاله من قال بتلك القاعدة – والذي جعل الحاجة من باب الضرورة – : فإنه يجب علينا أن نفرِّق بين الحاجة والضرورة ، والتفريق بينهما من وجهين :
- وجود ما يزيل الضرورة .
وقد سبق بيان أن الضرورة هي ” ما يلحق العبد ضرر بتركه بحيث لا يقوم غيره مقامه ” ، فإن وُجد ما يزيل الضرورة ، ويرفعها ، غير ذلك الفعل المحرَّم : كانت تلك هي ” الحاجة ” ، وهي ما لا يجوز ارتكاب المحرَّم بسبب وجودها .
وفي ” نظم القواعد الفقهية ” ( ص 59 ) :
والمراد بالضرورة : ما يلحق العبد ضرر بتركه ، بحيث لا يقوم غيره مقامه ، هذا المراد بالضرورة على الصحيح .
بعض الفقهاء يقول: ” ما ترتب عليه فوات الحياة ، أو فوات عضو ” ، وهذا لا يصح ، وإنما الصواب أن يقال في تفسير الضرورة : ” ما لحق المكلَّف ضرر بعدم فعله ، ولا يقوم غيره مقامه ” ، بخلاف الحاجة ؛ فإن الحاجة هي : ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه ، لكنه قد يقوم غيره مقامه .
مثال الضرورة : إذا كان الإنسان مضطراً ولم يجد إلا الميتة : فهنا لو ترك الميتة لحقه ضرر ، ولا يقوم غيره مقامه ، ما يجد إلا الميتة فهذا ضرورة .
والضرورة تبيح المحظور مطلقاً ، بينما الحاجة لا تبيح المحظور إلا إذا ورد معها دليل . انتهى .
- عدم الهلاك ، أو التلف ، إذا لم يفعل المحرَّم .
فالضرورة تتعلق بالهلاك ، والإتلاف ، والحاجة يترتب على عدم الأخذ بها : عسر ، وصعوبة ، ومشقة .
قال أبو عبد الله الزركشي – رحمه الله – :
فالضرورة : بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل ، واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات ، أو تلف منه عضو ، وهذا يبيح تناول المحرم .
والحاجة : كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك ، غير أنه يكون في جهد ومشقة ، وهذا لا يبيح المحرَّم . ” المنثور في القواعد ” ( 2 / 319 ) .
وبه يُعلم أنه من خلط بين الحاجة – المطلقة – والضرورة ، وجعل لهما حكماً واحداً : أنه لم يُصب .
وهذا نقل علمي يوضح المسألة ، ويلخصها :
قال الدكتور أحمد بن محمد الخليل – حفظه الله – :
جمهور العلماء على خلاف قاعدة ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة ” .
قال في ” شرح الفوائد البهية ” : ” الأكثر أن الحاجة لا تقوم مقام الضرورة ” .
ويقوي ذلك : وجود الاختلاف المعنوي بين حقيقة الضرورة والحاجة ، فكلٌّ منهما له معنى يخصه ، فلا يصلح تعدية حكم أحدهما إلى الآخر ، ويمكن أن يتضح ذلك أكثر من خلال تعريف كلٍ منهما .
عرف الزركشي الضرورة بقوله : ” هي بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك ، أو قارب ” ، وقيل في تعريفها أيضاً : إنها ” الخوف على نفس من الهلاك ، علماً ، أو ظنّاً ” ، وتعاريف العلماء تدور حول هذا .
أما الحاجة فهي أقل من الضرورة ، ولذلك عرفها الزركشي بالمثال فقال : ” الحاجة : كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل : لم يهلك ، غير أنه يكون في جهد ومشقة ، وهذا لا يبيح المحرم ” .
إذاً يوجد فروق جوهرية بين الحاجة والضرورة ، من أبرزها :
أن الحاجة لا تبيح المحرم ، بخلاف الضرورة ، كما نبّه على ذلك الزركشي ، فيما سبق .
وأيضاً : الضرورة لا بد فيها من خوف التلف ، بينما الحاجة يكتفى فيها بوجود الحرج والمشقة ، وإن لم يوجد خوف الهلاك .
أضف إلى ذلك : أن من شروط وضوابط الضرورة : أن يتعين على المضطر مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية ، بمعنى : ألا يوجد وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا المخالفة الشرعية ، وهذا لا يشترط بالنسبة للحاجة .
– والآن ومع هذه الفروق كيف تنزل الحاجة منزلة الضرورة ؟! .
لذلك ذهب الأكثر من العلماء إلى أن لكلٍ من الحاجة والضرورة أحكاماً تخصها ، ثم قد يكون في تصحيح هذه القاعدة واستعمالها فتحاً لباب التلاعب ، والتهاون بالمحذورات الشرعية ، بحجة أن الضرورة تبيح المحذورات ، والحاجة تنزل منزلة الضرورة ، فينبني على ذلك مفاسد كبيرة ، والله تعالى أعلم .
” الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي ” ( ص 149 – 152 ) باختصار .
تنبيهات وفوائد :
- يرى ابن القيم رحمه الله تعالى أن تلك القاعدة لا تنطبق على ما كان محرَّماً تحريم مقاصد – وهو المحرم لذاته – كالخمر ، بل ما كان محرَّماً تحريم وسائل ، وأوضح مثال لهذا : أنه – رحمه الله – يقول بأن ” ربا النسيئة ” محرَّم تحريم مقاصد ، لذا فليس في الشرع ما يبيحه للحاجة ، بخلاف ” ربا الفضل ” فإن تحريمه تحريم وسائل – حتى لا يقع الفاعل في ربا النسيئة – لذا رأينا إباحة ” بيع العرايا ” – وهو بيع الرطب على الشجر بتمرٍ كيلاً – بشروط معينة منها : أن يكون المشتري بحاجة للأكل من الرطب ، وليس للبيع ، ومنها : أن لا تزيد الكمية على خمسة أوسق ، ومنها : أن لايكون معه ما يشتري به الرطب ، ومنها : التقابض ، بتسليم التمر للبائع ، وبتخلي البائع عن النخل ، ومنها : التساوي بين التمر والرطب إذا يبس . وينظر كلام ابن القيم رحمه الله في كتابه ” إعلام الموقعين ” ( 2/ 137) .
* وقد نظم ذلك القول والمثال : الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في منظومته في أصول الفقه وقواعده، فقال:
- لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ … يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ
انتهى.
والذي يظهر لنا أنه لا يصح القول بهذا ، وأن الإباحة لتلك المحرمات كانت بسبب النص ، ولا يستنبط من ذلك قاعدة للقياس عليها ، ولذا فقد خالف في ذلك بعض الباحثين من تلامذة الشيخ العثيمين الذين شرحوا نظمه ، فلم يروا فرقاً بين تحريم المقاصد ، وتحريم الوسائل ، وأن المحرَّم لا تبيحه إلا الضرورة .
قال الشيخ خالد المشيقح – حفظه الله – وهو من أبرز تلامذة الشيخ العثيمين – : قوله رحمه الله : ” لكن ما حرم للذريعة … يجوز للحاجة كالعرية ”
قلنا : إن المحرم لا يباح إلا عند الضرورة ، ويُستثنى من ذلك ما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل ، وليس من باب تحريم المقاصد فإن الحاجة تبيحه .
ومعنى الحاجة : هي الحالة التي يصل فيها الإنسان حدّاً إذا لم تراعَ لكان في ضيق ، وحرج ، لكن لا تضيع مصالحه الضرورية ، والحاجة تنزل منزلة الضرورة ، عامة كانت أو خاصة .
قولنا : ” عامة ” : هي الحاجة الشاملة لجميع الأمة .
وقولنا : ” خاصة ” : هي الحاجة الشاملة لطائفة معينة من الناس كأهل بلد ، أو حرفة معينة كالتجار ، أو الصنّاع ، أو الزراع ، أما الحاجة الخاصة بفرد ، أو بأفراد محصورين : فغير معتبرة أصلاً ، ولا تلحق بالضرورة ؛ لأن لكل فرد حاجات متجددة ، ومختلفة عن غيره ، ولا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به.
* والفرق بين الضرورة والحاجة من وجهين :
الوجه الأول : أن الضرورة – في الغالب – تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي ، وتكون هذه الإباحة مؤقتة حيث تنتهي بزوال الاضطرار ، وتتقيد بالشخص المضطر .
أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالباً لا تخالف نصّاً صريحاً ، لكن تخالف القواعد العامة في الشرع ، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة .
الوجه الثاني : أن الضرورة تبيح المحظورات ، سواء أكان الاضطرار حاصلاً للفرد ، أم للجماعة ، أما الحاجة : فلا تكون سبباً للتيسير ، إلا إذا كانت حاجة عامة ، أو خاصة بطائفة كثيرة غير محصورة ، فلا تكون سبباً للتيسير في حق فرد ، وأفراد محصورين …. .
ومسألة ” العرايا ” ليس فيها ضرورة ، وإنما حاجة ، فقط لكي يتفكّه ، فليس هناك ضرورة إلى أن يحفظ نفسه ، أو أطرافه ، وإنما يحتاج – فقط – أن يتفكه ، فأبيح له أن يستعمل مسألة العرايا ، فقال العلماء رحمهم الله : ” تحريم ربا النسيئة تحريمه من باب تحريم المقاصد ، وأما ربا الفضل فتحريمه من باب تحريم الوسائل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة رضي الله عنه : ( إِنَّمَا الرِّبا فِي النَّسِيئَة ) – متفق عليه – فقالوا إذا كان كذلك فإن الحاجة تبيحه كمسألة العرايا .
ويظهر لي : أن تقسيم المحرَّم إلى تحريم وسائل ، وتحريم مقاصد فيه نظر ، وأن ما ورد الدليل على تحريمه : فإنه لا يباح إلا لضرورة ، إلا لدليل يدل على خلاف ذلك .
” العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين ” ( ص 54 – 58 ) – ترقيم الشاملة – مختصراً .
- وننبه إلى أن بعض العلماء يستعمل كلمة ” الحاجة ” بمعنى ” الضرورة ” ، فهو لا يجعل تلك القاعدة في كل حاجة ، بل يريد : الحاجة التي تبلغ مبلغ الضرورة بالنسبة لصاحبها .
- وأخيراً : ننبه إلى من أخذ بتلك القاعدة من العلماء الأجلاء لم يجعلها في كل حاجة ، وإنما ذكروا لها شروطاً للعمل بها ، ويجمع تلك الشروط : عدم مخالفة نص محكم في التحريم ، فصار من أخذ بها لا يخرج عن النص الوارد في الإباحة ، أو إلحاق حكم بنظيره مما ورد في الشرع جوازه ، ولم نرَ في استعمالات من قال بتلك القاعدة من أباح المحرَّم القطعي ، كما فعله – للأسف – بعض العلماء المعاصرين .
قال الدكتور أحمد بن محمد الخليل – حفظه الله – :
هذه القاعدة – على القول بالأخذ بها – لها من الضوابط والشروط ما لا يمكن معها القول بجواز المساهمة في شركات تتعامل بالربا بأخذ الفائدة الربوية، أو إعطائها .
قال الشيخ أحمد الزرقاء في ” شرح القواعد الفقهية ” :
والظاهر : أن ما يجوز للحاجة : إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوِّزه ، أو تعامل ، أو لم يرد فيه شيء منهما ، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه ، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به ، وجعل ما ورد في نظيره وارداً فيه ” .
وقال :
” وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه : فعدم الجواز فيه واضح ، ولو ظنت فيه مصلحة ؛ لأنها حينئذ وهم ” .
فهذه القاعدة لا يؤخذ بها على إطلاقها ، إنما تقيَّد بهذه التقييدات السابقة ، وأهمها : عدم استعمال القاعدة فيما ورد في تحريمه نص خاص ، وأبرز صور تنزيل الحاجة منزلة الضرورة : ما جاءت السنَّة بجوازه ، ولذلك نجد أن الأمثلة التي ذكر الفقهاء هي مما جاءت به النصوص ، ومن ذلك :
– جواز عقد الإجارة ، وجواز عقد السلَم .
– وجواز تضبيب الإناء ، ولبس الحرير لحاجة دفع القمل ، والحكَّة .
وكل هذه المسائل مما وردت به النصوص .
وقد يذكرون أمثلة من غير المنصوص عليها ، لكنها ترجع إلى أصل شرعي معتبر ، ولا يوجد في منعها نص خاص ، ومن ذلك ما يلي :
– تجويز استئجار السمسار على أنه له في كل مائة كذا ، فهذا يرون أن القياس يمنعه ، لكنه جاز لحاجة الناس إليه.
– تجويز ضمان الدَّرَك، وهو عبارة عن ضمان الثَّمَن للمشتري عند استحقاق المبيع ، فهو عندهم على خلاف القياس ، ولكن جاز بالإجماع.
والخلاصة:
أن هذه القاعدة لا يُعمل بها في المنصوص على تحريمه ، والربا منصوص على تحريمه ، بل هو من كبائر الذنوب – كما هو معلوم -. ” الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي ” ( ص 151 – 152 ).
رابعاً: ومما لا شك أن العيش في بلاد الكفار ، مدعاة لارتكاب محاذير شرعية كثيرة ؛ ولهذا قد يعلم سبب وحكمة النهي عن السكنى ببلاد الكفار والمشركين ؛ لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة.
والله أعلم.


