هل يجوز تكوين لجان خاصَّة للفتاوى؟

السؤال

هل يجوز تكوين لجنة للفتاوى؟.

– أريد الجواب على ضوء الكتاب والسنة؟.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

– دل الكتاب ، والسنَّة ، وفعل الأئمة ، على جواز تكوين لجان مختصة للفتوى:

فمِن الكتاب قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ) الشورى/ 159 .

قال القرطبي – رحمه الله – :

قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ ) يدل على جواز الاجتهاد في الأمور ، والأخذ بالظنون ، مع إمكان الوحي ؛ فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك . ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 250 ) .

وقال ابن الجوزي – رحمه الله – :

( وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) معناه : استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم .

واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيَّه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال :

أحدها : ليستن به من بعده ، وهذا قول الحسن ، وسفيان بن عيينة .

والثاني : لتطيب قلوبهم ، وهو قول قتادة ، والربيع .

والثالث : للإعلام ببركة المشاورة ، وهو قول الضحاك .

ومن فوائد المشاورة : أن المشاور إذا لم ينجح أمره : علم أن امتناع النجاح محض قدر ، فلم يلم نفسه .

ومنها : أنه قد يعزم على أمر فيبين له الصواب في قول غيره ، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح ، قال علي رضي الله عنه : الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم ، وقال بعض الحكماء : ما استُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة . ” زاد المسير ” ( 1 / 441 ) مختصراً .

وأما من السنَّة : فقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بما يدل على ما سبق ، وأيده بأدلة ، وحوادث ، فقال :

” باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ، ( وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ ) ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ لِقَوْلِهِ ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) ، … وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ، لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا ، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، … وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” . انتهى مختصراً .

ثانياً:

وأما من فعل أئمة والخلفاء : فمنه : فعل الصدِّيق أبي بكر ، وعمر ، رضي الله عنهما.

عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حُكم : نظر في كتاب الله تعالى ، فإن وجد فيه ما يقضي به : قضى به , وإن لم يجد في كتاب الله : نظر في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن وجد فيها ما يقضي به : قضى به ، فإن أعياه ذلك : سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء ، فربما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا وكذا ، فإن لم يجد سنّة سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم : جمع رؤساء الناس ، فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء : قضى به . ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 62 ) .

وقال أبو حصين الأسدي : إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 185 ) .

فتكوين لجان للفتوى قديم ، ويمكن جعل زمان عمر بن الخطاب هو بداية هذا الأمر ، حيث كان يجمع أهل العلم للتشاور في أحكام نوازل وقعت في زمنه ، أو شيء يخفى استنباط حكمه على العالِم وحده ، وهكذا فعل بعده العلماء ، والخلفاء .

قال الشاطبي – رحمه الله – عن الإمام مالك – :

وإن عمر بن الخطاب ، وعليّاً ، وعامة خيار الصحابة : كانت ترِد عليهم المسائل ، وهم خير القرن الذي بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويسألون ، ثم حينئذ يُفتون فيها .

” الموافقات ” ( 5 / 324 ) .

ومن شاور غيره من أهل العلم في حكم الله تعالى في المسألة : قلَّ أن يبعد عن الصواب ؛ فإن الأمر إذا قلِّب على وجوه متعددة من أهل الاختصاص يبين فيه من الحق ما لا يبين لو كان التقليب من شخص واحد .

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله – :

ثم يذكر المسألة لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ، ويشاورهم في الجواب , ويسأل كلَّ واحدٍ منهم عما عنده ؛ فإن في ذلك بركة , واقتداء بالسلف الصالح , وقد قال الله تبارك وتعالى : ( وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) ، وشاورَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في مواضع ، وأشياء ، وأمر بالمشاورة , وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى ، والأحكام . ” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 71 ) .

ثالثاً:

ولكن يشترط في أعضاء هذه اللجان : العلم ، والعدالة ، والأمانة , وأن يكون هذا هو الميزان في اختيارهم .

قال الشافعي – فيما رواه عنه الخطيب في كتاب ” الفقيه والمتفقه ” – رحمه الله -:  

لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله ، إلاَّ رجلاً عارفاً بكتاب الله ، بناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وتأويله وتنزيله ، ومكيه ومدنيه ، وما أريد به ، ويكون بعد ذلك ، بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ، ويكون بصيراً باللغة ، بصيراً بالشعر ، وما يحتاج إليه للسنَّة والقرآن ، ويستعمل هذا مع الإنصاف ، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار , وتكون له قريحة بعد هذا ، فإذا كان هكذا : فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام ، وإذا لم يكن هكذا : فليس له أن يفتي .

وقال علي بن شقيق : قيل لابن المبارك : متى يفتي الرجل ؟ قال : إذا كان عالماً بالأثر ، بصيراً بالرأي .

وقيل ليحيى بن أكثم : متى يجب للرجل أن يفتي ؟ فقال : إذا كان بصيراً بالرأي ، بصيراً بالأثر.

” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 34 ، 35 ) وانظر تتمة صفات المفتي في هذا الموضع.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة