#ثلاثون_فائدة_في_شهر_رمضان (4)

#ثلاثون_فائدة_في_شهر_رمضان
( 4 ) معنى قول عمر بن الخطاب ” نعمت البدعة هي ”
السؤال :
ما معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن صلاتها في جماعة “بدعة حسنة” فكثيرون يستخدمون هذا اللفظ لتبرير البدع.

الجواب :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قول عمر رضي الله عنه ليس ” بدعة حسنة ” ، ولكنه ” نعمت البدعة هذه ” في أكثر الروايات، ورواية البخاري ( 1906 ) ” نِعْمَ البدعة هي ” .
وقد بيَّن علماؤنا رحمهم الله أن لا حجة في الاستدلال بهذه المقولة ، وبيَّنوا أن البدعة هي الإحداث في الدين على غير مثال سابق ، ولم يدل عليها دليل شرعي ، فكيف تكون الجماعة في التراويح بدعة شرعية وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ليالي مع أصحابه ؟ ، فليس في قول عمر رضي الله عنه أكثر من تسميتها بدعة بالمعنى اللغوي لا الشرعي .
وهذه طائفة من أقوالهم في الرد على من استدل بهذه المقولة مع بيان معناها :
1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين حسنة وقبيحة بدليل قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح ” نعمت البدعة هذه ” ، وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست بمكروهة أو هي حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس .
وربما يضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثيرٌ من الناس من كثيرٍ من العادات ونحوها فيجعل هذا أيضاً مِن الدلائل على حسن بعض البدع إما بأن يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعاً وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك ، أو يستنكر تركه لما اعتاده بمثابة من { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } ، وما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها ……

والجواب : أما أن القول أن ” شر الأمور محدثاتها ، وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ” والتحذير من الأمور المحدثات : فهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم .. ..
” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 2 / 271 ، 272 ) .

وقال رحمه الله :
فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة ، بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله ؛ فإنه قال ” إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننتُ لكم قيامه ” .
ولا صلاتها جماعة بدعة ، بل هي سنة في الشريعة ، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا ، وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات ، وقال ” إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ” لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح ، رواه أهل السنن .
وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد
وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم .
وأما قول عمر ” نعمت البدعة هذه ” : فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكماً بقول عمر الذي لم يخالَف فيه لقالوا : قول الصاحب ليس بحجة ، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب .
نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة أما غيرها فلا .
ثم نقول : أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية ، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق ، وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي .
فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدِّين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف .
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي بدعة في اللغة
فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة .
وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ” كل بدعة ضلالة ” : لم يُرِد به كل عمل مبتدأ فإن دين الإسلام ، بل كل دين جاءت به الرسل : فهو عمل مبتدأ ، وإنما أراد ما ابتدىء من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا ” إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ” فعلَّل صلى الله عليه وسلم عدمَ الخروج بخشية الافتراض ، فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم ، وأنه لولا خوف الافتراض : لخرج إليهم ، فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئٍ واحدٍ ، وأسرج المسجد ، فصارت هذه الهيئة – وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحدٍ مع الإسراج – عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل ، فسمِّي بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك وإن لم يكن بدعة شرعية ؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض .
وهكذا جمع القرآن فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر القرآن بموته صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم والمقتضي للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وسلم فعمل المسلمون بمقتضى سنته وذلك العمل من سنته وإن كان يسمى هذا في اللغة بدعة وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهم من أرض العرب فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك في مرضه فقال : ” أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ” وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم ، فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم ؟ وكما جاءوا إلى علي رضي الله عنه في خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا كتابك بخطك فامتنع من ذلك لأن ذلك الفعل من عمر كان بعهد رسول الله صلى الله .
والضابط في هذا – والله أعلم – أن يقال : إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين ، فما رآه المسلمون مصلحة نظر في السبب المحوج إليه ، فإن كان السبب المحوج إليه أمراً حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم من غير تفريطٍ منَّا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه ، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض قد زال بموته .
وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه ، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث ، فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجوداً لو كان مصلحة ولم يفعل يعلم أنه ليس بمصلحة .
وأما ما حدث المقتضى له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة .
” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 2 / 275 ، 279 ) .

2. قال ابن كثير رحمه الله :
والبدعة على قسمين : تارة تكون بدعةً شرعيةً كقوله ” فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ” ، وتارة تكون بدعةً لغويةً كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم ” نعمت البدعة هذه ” .
” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 162 ) .

3. قال ابن رجب الحنبلي :
والمراد بالبدعة : ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعةٍ شرعاً وإن كان بدعة لغة وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته ” إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ” .. .. فقوله صلى الله عليه وسلم ” كل بدعة ضلالة ” من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء ، وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم ” من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ” فكل مَن أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه : فهو ضلالة ، والدين بريء منه ، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات ، أو الأعمال ، أو الأقوال الظاهرة والباطنة ، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية ، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال ” نعمت البدعة هذه ” وروي عنه أنه قال ” إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة ” ، وروي عن أبي بن كعب أنه قال له : إنَّ هذا لم يكن ، فقال عمر : قد علمت ، ولكنه حسن .
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها ، فمنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه ، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا ، وهو صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللا بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به وهذا قد أُمِنَ بعده صلى الله عليه وسلم ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر ، ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين ، وهذا قد صار مِن سنة خلفائه الراشدين ، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .
” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 266 ، 267 ) .

4. قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله :
إن مدَّة أبي بكر رضي الله عنه كانت سنتين وأشهراً ، وكان مشغولاً بتجهيز الجيوش لقتال المرتدين وغيرهم ، فكان مِن الناس مَن يصلِّي وحده ، ومنهم من يصلِّي مع الرجلين ، ومنهم من يصلِّي مع الثلاثة ، فلما كان عمر : خرج ذات ليلة فوجدهم يُصلُّون أوزاعاً ، فلم يعجبه هذا التفرق ، وأمرَ تميماً الداري وأبيَّ بن كعب أن يقوما للناس جميعاً ويُصلِّيا بالناس إحدى عشرة ركعة ، وبهذا عرفنا أن فعل عمر ما هو إلا إعادة لأمرٍ كان مشروعاً .
فإن قال قائل : ما تقولون في قول عمر ” نعمت البدعة ” ؟ وهذا يدل على أنها مبتدعة .
فالجواب : أن هذه البدعة نسبيَّة ، فهي بدعة باعتبار ما سبقها ، لا باعتبار أصل المشروعية ؛ لأأنها بقيت في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي خلافة أبي بكر لم تُقَم ، فلما استؤنفت إقامتها : صارت كأنها ابتداءً من جديد .
ولا يمكن لعمر أن يُثني على بدعة شرعية أبداً ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ” كل بدعة ضلالة ” .
والعجب أن بعض أهل البدع أخذ من قول عمر ” نعمت البدعة ” باباً للبدعة ، وصار يبتدع ويقول ” نعمت البدعة هذه ” !
ولا شك أن هذا من الأخذ بالمتشابه ، حتى لو فُرِض أن عمر رضي الله عنه ابتدع – وحاشاه من ذلك – : فإن له سنَّة مُتَّبعة لقوله صلى الله عليه وسلم ” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ” فلستَ مثلَه ، فكيف تقول : أبتدع ، ونعمت البدعة ؟ .
فعمر له سنَّة متَّبعة ، مع أننا لا نعلم أن عمر ابتدع شريعة ، إنما ابتدع سياسات لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يرى أن فيها مصلحة ، مثل إلزامه بالطلاق الثلاث أن يكون ثلاثاً ، ومثل منعه من بيع أمهات الأولاد ، مع أنهن يُبَعن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومثل زيادة العقوبة في شرب الخمر من أربعين إلى ثمانين .
فهذه سياسات يرى أنها تُحقِّق المصلحة ، لكن هل زاد عمر في الصلوات وجعلها ستّاً ؟ لا ، أو جعل ركعات الظهر خمساً ؟ لا .
” الشرح الممتع ” ( 4 / 80 ، 81 ) .

والله أعلم

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة